قضيّة الله بين الماضي والحاضر

السيد عباس نورالدين
حين نتأمّل في الآيات الكثيرة التي تحدّثت عن حركة الأنبياء ودعوتهــــــم ومواجهاتهم الطواغيت، نلاحظ بصورة واضحة كيف كان تجلّي قضية الله وظهورها في خطاباتهم. وقد استطاع هؤلاء الأولياء الربّانيّون أن يجعلوا هذه القضية على رأس قضايا الصراع والمواجهة أينما كانوا، فأحرجوا بها أعداءهم، الذين كان همّهم الأكبر ترسيخ زعاماتهم والتحكّم بمصائر الشعوب.إلّا إنّ الأمر، وللحقيقة، لم يكن إنجازًا نبويًّا صرفًا، فممّا نعرفه عن الظروف الثقافية والمقتضيات الزمانية لتلك الأزمنة، يمكن القول أنّ العقول والأذهان والنفوس كانت مستعدّة لسماع هذا الخطاب وفهم مثل هذا الطرح.تصوّر لو أنّ نائباً ملتزماً وقف اليوم على منبر مجلس النوّاب وصدح عاليًا: «أيها الناس إنّ كل مشاكلنا اليوم، نابعة من عدم طاعة الله، ومن الشرك به، ومن الاعتقاد بالأرباب المتفرقة». ربما سيعترض عليه البعض، إلّا إنّ الأغلبية الساحقة ستعدّ خطابه فارغًا من المضمون الجدّي وتحديد الوقائع.ما الذي حدث حتى أصبحت قضية الله قضية جزئية أو فردية خاصّة، لا يتمُّ التعرّض لها إلا في بعض المناسبات وفي بعض الأماكن الخاصّة؟قد يُقال أنّ شعوب الماضي كانت تعيش وفق عقائد تقول: إنّ إدارة العالم وتدبير الحياة يجري على يد شخصيات محدّدة ( ترمز لها في كثيرٍ من الأحيان بالأصنام والأوثان). وقد كان هذا الاعتقاد سائداً وكثير الشيوع نظراً لعاملٍ معروف، وهو: شعور الناس بالعجز الكبير أمام الكثير من ظواهر الطبيعة والحياة. إنّ هذا الشعور هو الذي جعل الكثيرين يسارعون إلى الاعتقاد بوجود قوى فوق بشرية، وإن كانت أحيانً تتجسّد في بشر، وهي تدير كل شؤون الحياة أو تتقاسم تدبيرها وإدارتها وربوبيتها فيما بينها(كما في حال أرباب الحياة والخصوبة والمطر والحرب و.. ). ولا شك بأنّ شدّة حضور هذه الربوبية والتدبير (نظرًا لذلك العجز)، سيجعل الناس بصورة تلقائية متّجهين إلى تحميل هذه الأرباب المسؤولية عن كل ما يجري؛ فلو جرى الحديث عن مشكلة التصحّر والقحط، فسوف تتّجه الأبصار إلى ربّ المطر، وإذا حصلت هزيمة في معركةٍ ما، فسوف يتحدّث الناس كلّهم عن ربّ الحرب.
لم يتغيّر الذهن البشريّ بين الأمس واليوم بلحاظ تحديد الأسباب والبحث عن العلل، ولكن ما تغيّر بصورةٍ واضحة هو أنّ أهل الحق عموما أصبحوا اليوم أكثر إحراجا من الإعلان والتظاهر بهذه القضية الحسّاسة والمصيرية. لقد تمّ اختراق جبهتهم عبر المكائد المتواصلة على مدى السنين من شياطين الجن والإنس، وتسلّل إليها الشرك الخفيّ، الذي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخشاه ويخافه على أمّته من بعده، ويحذر من تسلّله الشديد الخفاء؛ حيث كان يقول: «الشِّرْكُ فِي أُمَّتِي أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ»..أجل، إنّ الجميع مهتمّ بمعرفة الأسباب التي تقف وراء مشاكلنا المختلفة، إلّا إنّ الأكثرية الساحقة غير مستعدّة نفسيًّا ولا حتى ذهنيًّا (في معظم الأحيان)، للاعتراف بالسبب الحقيقيّ. فهل إنّهم أصبحوا محرَجين بالله؟ وهل استطاع الشياطين أن يجعلوا قضية الله في حياتنا منحصرة بالشأن الفرديّ العباديّ الخاصّ إلى الدرجة التي أصبحنا نبدو كالبسطاء الحمقى إن نحن طرحناها على مستوى الاجتماع والسياسة والشأن العام؟هذا ما يبدو من مطالعة واسعة ومعمّقة في الخطابات الدينيّة المختلفة؛ فالذي يتحدّث عن ضرورة الرجوع إلى الله والتوحيد، سيُتّهم بأنّه يحرف الأذهان عن الأسباب الواقعية!! بل يمكن أن يُتّهم بأنّه يستخدم الدين لأجل مآربه الخاصّة؛ فضلًا عن الصعوبة المستجدّة في فهم العلاقة بين الله وما يجري. لهذا، فإنّ الخطاب الدينيّ الحاليّ بحاجة إلى عنصرين أساسين، لكي يستعيد قضية الله تعالى ويضعها موضعها (وهو المحور الأول لكل قضايا الوجود)، وليحقّق لنفسه العامل الأوّل للانتصار والتفوّق؛ وهذان العنصران هما:الأول: امتلاك رؤية واضحة حول العلاقة بين طاعة الله تعالى وقضايا الحياة..والثاني: امتلاك رؤية واضحة وتفصيلية حول ما يجري في العالم في مختلف شؤون الحياة.



