المجاهدون والحب الإلهي
قال الله تعالى:»لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» سورة الحديد،الآية 25..تتحدث هذه الآية بالجملة عن أنّ سنّة الله من الهداية للبشر هي إرسال الرسل(عليهم السلام) مع الحجج المقنعة والدلائل المؤكّدة كالمعجزات، وذلك ليؤمن النّاس وليصدّقوا بنبوّة الأنبياء و رسوليّة الرسل(عليهم السلام)، ويستجيبوا للمشروع الإلهيّ للحياة البشريّة، ولذا من السنن الإلهيّة أن يرسل مع النبيّين والمرسلين الكتب السماويّة والقوانين المنظّمة للحياة البشريّة.والأصل في ذلك أسلوب الإقناع من خلال الأدلّة والبراهين،والهدف جعل تطبيق المشروع الإلهيّ عمليّاً على عاتق النّاس، وكما يحتاج المشروع إلى قائد ودستور إلهيّين كذلك لا يستقيم إلّا بمعونة وإستجابة من الجماهير والأمم وهذا يعني أنّ إجراء القوانين الإلهيّة وحمل المشروع الإلهيّ منوط بتحمّل النّاس له عن حرّيّة واختيار.ومعنى ذلك أنّ دعوة الأنبياء وحركاتهم ستلاقي أنصاراً لكنّها كذلك ستلاقي أعداء، وقد تصل الأمور بين الطرفين إلى الحرب والقتال، ولذلك كانت الإشارة إلى إنزال الحديد مع الإشارة إلى البأس الذي منه.وقد كشف المولى عن سرّ المشيئة الإلهيّة في ذلك،وهو ظهور أنصار الحقّ أنصار دين الله من غيرهم،ذلك أنّه في الأمن والدّعة والسلام والسلامة قد يكون الكلّ نصير للحقّ ولدين الله، ولكن ثمّة مرتبة راقية من الإيمان والصدق محكّها الجهاد والقتال،وهؤلاء المجلّون في حركة الرسل تكشف معادنهم الحرب وهذا ما أشار إليه تعالى بقوله:»وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ». لقد اختار الله لمجموعة المؤمنين حقّاً بالأنبياء(عليهم السلام) و رسالاتهم اسماً خاصّاً هو (الربيّون)،فهم على ذلك مخلصون له في الإيمان بالرسل والرسالات، ومتفاعلون معها بالإعانة للرسل في مهامهم وتحمّل مشاقّ هذه المعونة، ومن جملة هذه المعونة القتال والجهاد،فأنّه ثمّة مرتبة راقية من حبّ الله،يمنحها الله تعالى ويفيضها،ويلبسها المخلصين في قتال أعدائه وأعداء رسله(عليهم السلام) وأعداء رسالاته وذلك لأنّهم محسنون،إذ يقول:»وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» فالمقام الأوّل كان لهم لتجسيدهم صفة الصبر في النّفوس بعدم التراجع الروحيّ والمعنويّ، وفي الأجساد بعدم الضعف والاستمرار بالحركة والعمل، وأمّا الثانية التي هي أرقى – والأولى ممرّ ومقدّمة لها – حصلت لهم وارتقوا إليها لأنّهم ضمّوا إلى الصبر اللجوء إلى الله تعالى،فبعد تحقيق الصمود بوجه الأعداء توجهوا إلى الله بحوائجهم فصاروا بذلك في زمرة المحبوبين لله لأنّهم بذلك صاروا محسنين.



