اراء

هل يذهب ترامب إلى توغل بري في إيران؟

بقلم: ليلى نقولا..


تشهد الولايات المتحدة، في الأسابيع الأخيرة، تصاعداً في الخطاب السياسي والعسكري المرتبط بالحرب على إيران. فقد صدرت عن الرئيس دونالد ترامب تصريحات تؤكد الاستعداد لتوسيع العمليات العسكرية إذا استمرت الهجمات على القوات الأميركية، كما هدد بضرب البنية التحتية الإيرانية في حال استمر تهديد السفن في مضيق هرمز.
وفي الوقت الذي تتداول فيه وسائل إعلام وتقارير أميركية سيناريوهات تتعلق بعمليات أوسع نطاقاً، بما فيها احتلال الأميركيين أجزاءً من إيران، مثل بعض الجزر، أو تنفيذ إنزالات جنوبي إيران، تتزايد داخل الولايات المتحدة الأسئلة المتعلقة بجدوى الحرب وكلفتها، وإمكان تحولها إلى صراع طويل الأمد يصعب التحكم في نتائجه.
من الناحية العسكرية، تبدو فكرة تنفيذ عمليات إنزال أو السيطرة على أجزاء من الأراضي الإيرانية أكثر تعقيداً بكثير مما توحي به التسريبات الأميركية. تمتلك إيران مساحة جغرافية واسعة تشكل عمقاً استراتيجياً، وتسمح لها باستيعاب أي هجوم بري، كما تمتلك قدرات عسكرية وصاروخية كبيرة، وبنية أمنية وعسكرية متماسكة زاد تماسكها بعد الحرب الأخيرة.
لذا، فإن انتقال الإدارة الأميركية من الضربات الجوية إلى السيطرة المباشرة على الأرض يعني، عملياً، الدخول في مرحلة مختلفة من الحرب، تتطلب قوات إضافية وتمويلاً أكبر، وقد تؤدي إلى سقوط قتلى من الجنود الأميركيين.
انقسام داخلي بشأن توسيع الحرب
وفي هذا الإطار، لا يبدو قرار توسيع الحرب، الذي يدفع إليه الصقور في الإدارة والمسؤولون الإسرائيليون، سهلاً بالنسبة إلى الرئيس دونالد ترامب. وفي الأيام الأخيرة، كشف النقاش الجاري في الكونغرس بشأن التمويل الإضافي للحرب، وإقرار مجلس النواب حزمة إنفاق بقيمة 95 مليار دولار، عن انقسام سياسي واضح بين مؤيدي التوسع العسكري ومعارضيه. كما أظهرت المناقشات وجود تشكيك متزايد في الأهداف المعلنة للحرب ومدى تحقيقها، فضلاً عن الجدل المرتبط بالكلفة الحقيقية للعمليات العسكرية.
تاريخياً، استطاعت الإدارات الأميركية الحصول على دعم سياسي واسع في المراحل الأولى من الحروب، عندما تكون الأهداف محددة والخسائر محدودة. إلا أن استمرار العمليات فترات طويلة يحوّل النقاش العام إلى التساؤل عن أهداف الحرب وكلفتها، أو ما يمكن اختصاره بالسؤال الذي يتكرر عادة داخل المجتمعات الغربية خلال الحروب الطويلة: لماذا يموت أبناؤنا في حروب خارجية بعيدة؟
ويبدو أن النقاش الأميركي بدأ، حالياً، ينتقل تدريجياً إلى هذه المرحلة، وخصوصاً مع تزايد الحديث عن استنزاف الذخائر، وارتفاع الكلفة المالية، وسقوط قتلى أميركيين في مسارح العمليات.
العامل الثاني الذي يضغط على الرئيس ترامب هو الانتخابات النصفية المقبلة، التي ستمثل استفتاءً سياسياً على أداء الإدارة في ملفاتها الأساسية، وأهمها الحرب على إيران والعلاقة مع “إسرائيل”.
وهكذا، كلما اقترب موعد الانتخابات، ازدادت حساسية السياسيين تجاه اتجاهات الرأي العام. ولذلك، فإن أي قرار بتوسيع الحرب لا يُقاس فقط وفق جدواه العسكرية، بل أيضاً وفق انعكاساته الانتخابية.
ثلاثة مسارات أمام الإدارة الأميركية
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الإدارة الأميركية تجد نفسها أمام ثلاثة مسارات محتملة، لكل منها كلفته السياسية والعسكرية المختلفة:
1- المسار الأول: تقديم الحرب بوصفها ناجحة
يتمثل المسار الأول في السعي لتقديم صورة توحي بأن الحرب تحقق أهدافها، وأن الضغوط العسكرية تدفع إيران إلى التراجع. حينها، يقدم الجمهوريون أنفسهم بوصفهم حزب الأمن القومي والحسم العسكري.
وفي هذه الحالة، يمكن أن يتحول التمويل الإضافي إلى جزء من خطاب الردع والقوة، الذي يشكل أحد عناصر الهوية السياسية التقليدية للحزب الجمهوري، وترتفع الأسهم الانتخابية. غير أن هذا المسار يصطدم بمعطى أساسي، يتمثل في أن الأشهر الماضية من الحرب لم تُنتج مؤشرات حاسمة على قدرة الولايات المتحدة على فرض شروطها السياسية على إيران، على الرغم من التفوق العسكري الأميركي.
2- المسار الثاني: استمرار الحرب من دون حسم
يتمثل المسار الثاني في استمرار الحرب من دون نتائج حاسمة، ما سيدفع الإدارة إلى طلب زيادة موازنة الإنفاق العسكري. وفي هذا السيناريو، فإن كل طلب تمويل جديد، وكل ارتفاع في أسعار الطاقة، وكل إعلان عن سقوط جنود أميركيين، يمنحان الديمقراطيين مادة سياسية إضافية للهجوم على الإدارة والحزب الجمهوري.
3- المسار الثالث: العودة إلى التسوية
يتمثل المسار الثالث في التوصل إلى تسوية مع إيران، أو العودة إلى مذكرة التفاهم. وهنا، سيكون من الصعب على الإيرانيين التراجع عما حققوه في مذكرة التفاهم السابقة، التي تراجع عنها الرئيس ترامب، وقام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بنسفها خلال اللقاء مع الدول الخليجية العربية، وفي “اتفاق الإطار” مع لبنان.
السياسة الداخلية ترسم حدود القوة
في المحصّلة، لا يبدو أن القرار الأميركي بشأن توسيع الحرب ضد إيران سيتحدد فقط في غرف العمليات العسكرية أو وفق تقديرات البنتاغون.
فكلما اقتربت الانتخابات النصفية، برزت مواقف الكونغرس واتجاهات الرأي العام والحسابات الانتخابية بوصفها عناصر أساسية في تحديد ما إذا كانت الإدارة الحالية ستكتفي بمستوى الصراع الراهن، أم ستتجه نحو مرحلة أكثر اتساعاً وخطورة، أو نحو تسوية نهائية.
وهكذا، تُضاف هذه القضية إلى سجلّ أميركي حافل، يثبت فيه التاريخ أن القيود السياسية الداخلية قد تكون أكثر تأثيراً في رسم حدود القوة الأميركية من القدرات العسكرية نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى