تحت الإقامة الجبرية
سليمان الأسودي/ اليمن
أنا النزيل رقم (٢٠١٧) القابع تحت الإقامة الجبرية المهجّر من وطني الى وطن المنفى، خلف أبعاد السحاب أعيش أقسى أنواع الغربة في وطني. وطني الذي كان بالأمس يحتضر ولكنه الآن قضى شهيداً. زال عنفوانه ونزقه وتردى جثة هامدة، فترت أوصالها. لكن الغريب في القصة أن دماءها ما زالت حارة لم تبرد بعد. من هنا، من «تعز» قطر الندى، درة الدنيا ودانتها مهبط النور الموشى بخيوط الشمس، وقلب الذكريات المبللة بالشهد والدموع، قلب اليمن النابض بالحياة، أبثكم أسمى معاني الصبر وأرق آيات الانتظار. مقيم أنا وهذه ردهتي المنسية اعايش الواقع وأتأقلم معه قدر الامكان. لا مجال لي للهروب من واقعي، ولا مناص من مسايرتي لأحداثه التراجيدية المُبكية. ما زال صوت المستقبل يدوي باذني: لم لا تبحث عن مسكن آخر؟ فليس هناك ثمة ما يدعوك للبقاء. ما زال صوته ملتصقا بجدران ذاكرتي كالطلاء. لم اعره أي اهتماماً، وظلت حماسة الوطنية والعنفوان والكبرياء تلازمني. زال الوطن، زال المواطن، زال المستوطن، وبقيت أنا اقبع تحت اقامة جبرية أودت بي في أتون حرب لا يُعرف لها كوع من بوع. فوجدت رغبة جامحة وطاغية للفرار من سجني الانفرادي المهترئ القضبان. لم يعد في المقل دموع، فقد حجرتها المحن ونوائب الدهر المتتالية. صدقوني لست جاحداً للوطن، لكن من يحكمه ومن يتنازعون على حكمه، ومن يتجاذبون أطراف ثوبه المرقع بكل أنانية وجشع ليعروه أمام العامة ويكشفوا عورته وما تخفى من سوأته، جميعهم دون استثناء. كل الأطراف الفرقاء أوغاد آثمون، فحين تقفر رياض الأحلام وتجف جداول الصبر يصبح الوطن كابوس يؤرق المنام. حين يسود الظلم المكان ويضج صخبا بالأنام، تخر السماء وتتساقط الأحلام كسفا، وتطير كل حمائم السلام.
أنا المنفي خلف أسوار الظلام، المبني على أكوام الركام، المبتور اللسان قسراً، والمحظور عن الكلام. اُقرئكم وأقرأ على وطني السلام.



