النسخة الرقمية

هل تستقيم للأمام عليه السلام الأمور بلا عمل ؟

نقرأ في إجابة الإمام الصادق عليه السلام لمن قال له: إنّهم يقولون: إنّ المهديّ لو قام لاستقامت له الأمور عفواً ولا يهريق محجمة دم، فقال عليه السلام: «كلا، والذي نفسي بيده لو استقامت عفواً لاستقامت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أدميت رباعيته وشجّ في وجهه، كلا والذي نفسي بيده حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق ثم مسح جبهته». ما أعظمها من رواية تلخّص المطلوب لنحقّق المشروع الإلهيّ الأعظم الذي يتحقق من خلال:

1- حضور الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف وقيادته للمشروع… حين قال:… نحن…

2- وجود أنصار مهيّأون وجاهزون… قال:… وأنتم…

3- العمل مشترك من القيادة (الإمام) والقاعدة حيث عبر بـ:… نمسح…

4- العمل على نوعين:

أ- جهدّ وكدّ وتعب: «… نمسح العرق…».

ب- جهادٌ بما يعني الجرح والقتل:… نمسح… والعلق…».

واللافت أن الإمام استخدم القَسَم مرتين بالذي نفس المعصوم بيده، مكرراً النفي بكلا بعد كِلا القَسَمين، الأولى لنفي التوهّم الوارد في السؤال عن عدم الحاجة إلى العمل والجهاد للتمهيد. والثاني لتأكيد احتياج الأمر إلى جهادٍ وبذل دماء.

وهذا يعني وجود أفراد على جاهزيّةٍ عاليةٍ عقائديّاً ونفسيّاً وبدنيّاً ومن حيث الكفاءات لاستقامة أمر القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف .

هل الإعداد فرديّ؟

بمعنى أنّ المطلوب والكافي هو أن تكون حركة التمهيد حركةً فرديّة، أي أن يصلح كلّ فردٍ نفسه على حده، أو أنّ التمهيد عمليّة جماعيّة.

بالنظر إلى مشروع الدولة المهدويّة نستنتج أنّه مشروع شموليّ يشمل كلّ البشر، ولا يشمل فيهم الحياة الفرديّة، بل يشمل النظام العام والحياة العامّة من حكومة وأنظمة وغير ذلك. فالرواية تعبر بـ: «… يملؤها قسطاً وعدلاً…». لا تعني فقط ملء الأمكنة والبلدان بل تشمل نواحي الحياة ولجميع أشكالها.

وهذا يفترض وجود أفراد على كفاءة في هذه الميادين كافة  ثمّ إنّ العقبات التي تحول دون قدومه عجل الله تعالى فرجه الشريف والتي قد تواجه مشروعه بعد قدومه المبارك ليست أفراداً فقط، بل هي دول وأنظمة وجماعات منحرفة وظالمة وطاغية فهل يا ترى يمكن إزالة هذه المعوقات ومجابهتها بشكل فرديّ؟…

من الذي يقوم بقيادة عملية التمهيد؟

إذا كانت عمليّة التمهيد عمليّة جماعيّة فهي تحتاج إلى أجهزة كما تحتاج أفراداً، وهي بما أنّها مشروع جماعيّ تفرض وحدة، والوحدة تفترض قيادة موحدة.

لننظر ما يقوله التوقيع الشريف: «لو أنّ أشياعنا وفقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخّر عنهم اليمن بلقائنا…».

المكاتبة تتحدّث عن شرط الظهور وهو اجتماع القلوب، وهو عين معنى الوحدة والاجتماع وقوام الوحدة الوفاء بالعهد للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف أي اجتماع على قضية المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف .

ومن نافل القول إنّ الانتماء العقائديّ لا يكفي لأنّه لو كان هو الشرط لكان الخروج من زمن قديم، بل إنّ الوحدة والاجتماع هما في إطار العمل وصبّ الجهد في مشروع التمهيد، لا بشكل عشوائي، بل بشكل منظم له قيادة وله نظام، فمن هو قائد هذه الحركة وهذا النظام؟ «أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا…».

القائد لحركة الممهّدين هو الوليّ الفقيه. فالوليّ الفقيه هو قائد هذه الحركة الجماعيّة والموحّدة، التي تحمل توقاً إلى الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وهو الذي يقوم برعاية الجماعات والأفراد والأجهزة والمؤسّسات، التي تعمل على التهيؤ لاستقبال واستقدام الإمام من غيبته، بما يحتاج إليه من أفراد وأجهزة ومؤسّسات ذوات كفاءة ومهارات وجاهزيّة للشروع في الحركة الإصلاحيّة، أولاً للعالم تحت لواء الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف ثم بناء وإدارة دولة العدل الإلهيّ على كلّ الأرض وقد ورد في صفتهم ودورهم: «… هم النجباء والقضاة والحكام…».

ولهذا نقرأ في الرواية الواردة عن الإمام الرضا عليه السلام في حقّ العلماء: «لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء الداعين إليه، والدالّين عليه، والذابّين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلا ارتدّ عن دين الله، ولكنّهم الذين يمسكون أزمّة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانّها، أولئك هم الأفضلون عند الله عزَّ و جلَّ»… لاحظ إشارة الرواية إلى قيادة هؤلاء، حيث شبّههم الإمام الرضا عليه السلام بربّان السفينة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى