النسخة الرقمية

الإسلام يوصي بالعلم

ليس هناك أدنى شكٍّ في كون الإسلام يؤكّد العلم ويوصي به، بحيث إنّنا قد لا نجد موضوعاً أوصى به الإسلام وأكّده أكثر من طلب العلم.
في أقدم الكتب الإسلامية المدوّنة نجد أنّ الحثّ على طلب العلم يأتي كفريضة، مثل الفرائض الأُخرى كالصلاة، والصوم، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم، إضافة إلى الآيات القرآنية الكريمة، نجد أنّ أهمّ وصية يوصي بها الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل العلم هو الخبر الثابتة صحّته لدى جميع المسلمين، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «طلب العلم فريضة على كلِّ مسلم» فطلب العلم واجب على جميع المسلمين، ولا يختصّ بطبقة دون أُخرى، ولا بجنس دون آخر. كلّ من كان مسلماً عليه أن يواصل طلب العلم.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً «اطلُبوا العِلم ولَو بالصِّين» أي إنّ العلم لا يختصّ بمكان معيّن، فحيثما يوجد علم عليك بالسفر في طلبه. وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: «كَلِمة الحِكْمة ضالةُ المؤمن فحيث وجدَها فهو أحقُّ بها» أي إنّ المؤمن لا يهتمّ بمن يتلقّى عنه العلم، أهو مسلم أم كافر كمثل الذي يجد ماله المفقود عند أحدهم، فلا يسأل عمَّن يكون، بل يأخذ منه ماله دون تردُّد، كذلك المؤمن، فهو يعدّ العلم ملكه، فيأخذه حيثما وجده. والإمام علي عليه السلام يوضح هذا الأمر بقوله: «الحِكمةُ ضالَّة المؤمن فاطلُبوها ولو عندَ المُشركِ تكونوا أحقّ بها وأهلَهَا» . فطلب العلم فريضة لا يقف في وجهه متعلِّم ولا معلِّم ولا زمان ولا مكان أبداً. وهذا أرفع توصية يُمكن أن يوصي بها وأسماها. إلّا أنّ هنالك كلمة لا بدّ أن تُقال وهي: ما العلم الذي يقصده الإسلام؟ فقد يقول قائل إنّ المقصود من كلّ هذا الكلام عن العلم هو علم الدّين نفسه، أي إنّ الناس مطلوب منهم أن يطلبوا معرفة دينهم. فإذا كان العلم عند الإسلام هو علم الدّين، فإنّه يكون قد أوصى بنفسه، ولم يقل شيئاً عن العلم الذي هو الاطلاع على حقائق الكائنات ومعرفة أُمور العالم، وبذلك تبقى المشكلة كما هي، وذلك لأنّ أيّ مذهب من المذاهب، مهما يكن عداؤه للعلم والمعرفة، ويقف معارضاً كلّ اطّلاع وتقدّم فكري، فإنّه لا يُمكن أن يُخالف الاطلاع على ذاته، بل يقول: تعرّفوا عليّ ولا تتعرّفوا إلى غيري. وعليه إذا كان مقصد الإسلام بالعلم هو العلم بالدّين فحسب، عندئذٍ يكون توجّه الإسلام نحو العلم صفراً، وتكون نظرته إلى العلم سلبية.
إنّ العارف بالإسلام ومنطقه لا يُمكن أن يقول إنّ نظرة الإسلام إلى العلم تنحصر بالعلوم الدينية فقط. إنّ هذا الاحتمال قد ينسجم مع أسلوب عمل المسلمين في القرون المتأخّرة، حيث ضيّقوا من دائرة العلم والمعرفة وحدَّدوها. وإلّا فإنّ قوله: العلم ضالّة المؤمن، عليه أن يأخذه حيثما وجده ولو عند المشرك، يُصبح لا معنى له إذا كان المقصود بالعلم هو الدّين، فأيّ دين هذا الذي يأخذه المؤمن من المشرك؟ وكذلك الحديث «اطلبوا العلم ولو بالصين» فقد جيء بالصين على عدّ أنّها أبعد مكان معروف في العالم يومئذٍ، أو على عدّ أنّها كانت معروفة بأنّها مركز من مراكز العلم والصناعة في العالم، ولكن الصين لم تكن قديماً ولا حديثاً مركزاً من مراكز العلوم الدينية.
بصرف النظر عن كلّ هذه فإنّ أحاديث الرسول الكريم تُحدِّد المقصود بالعلم وتُفسِّره، ولكن ليس بالتخصيص والنصّ على العلم الفلاني والفلاني، وإنّما بعنوان العلم النافع، العلم الذي معرفته تنفع وعدم المعرفة به تضرّ. فكلّ علم يتضمّن فائدة وأثراً يقبل بهما الإسلام ويعدّهما مفيدين ونافعين، يكون ذلك العلم مقبولاً عند الإسلام ويكون طلبه فريضة.
إذن ليس صعباً أن نتحقّق من الأمر. علينا أن نرى ما الذي يراه الإسلام نفعاً، وما الذي يراه ضرراً؟. إنّ كلّ علم يؤيّد منظوراً فردياً أو اجتماعياً إسلامياً، وعدم الأخذ به يُسبّب انكسار ذلك المنظور، فذلك علم يوصي به الإسلام. وكلّ علم لا يؤثّر في المنظورات الإسلامية، لا يكون للإسلام نظر خاصّ فيه. وكلّ علم يؤثّر تأثيراً سيّئاً، يُخالفه الإسلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى