خيارات الاقتراض تزيد مديونية العراق وتعمق أزمة السيولة النقدية

ضمن حلول مواجهة العجز المالي
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
بعد أن دخلت الأزمة المالية في العراق مرحلة أكثر تعقيداً بفعل تراجع الإيرادات النفطية نتيجة اضطرابات سوق الطاقة وإغلاق مضيق هرمز وتوقف عدد من شركات الإنتاج النفطي، وجدت الحكومة العراقية نفسها أمام تحدٍّ مالي غير مسبوق يهدد قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها التشغيلية، وفي مقدمتها رواتب الموظفين وتمويل الخدمات العامة والمشاريع الأساسية، الأمر الذي دفعها للبحث عن مخارج تمويلية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية، إلا أن الخيارات المطروحة تبدو جميعها محفوفة بالمخاطر، سواء عبر الاقتراض الداخلي أو اللجوء إلى الديون الخارجية أو محاولة إعادة إحياء ملف تنويع مصادر الدخل الوطني.
السنوات الماضية شهدت اعتماداً واسعاً من قبل الحكومات العراقية على أدوات التمويل الداخلي لتغطية العجز المتكرر في الموازنات العامة، من خلال الاقتراض من المصارف الحكومية والبنك المركزي وإصدار الحوالات والسندات الحكومية، إلا أن هذا المسار وصل اليوم إلى مرحلة حرجة بعد وصول حجم الدَّين الداخلي إلى مستويات مقلقة.
ويؤكد خبراء اقتصاد أن هذا النوع من الاقتراض يؤدي عملياً إلى سحب السيولة النقدية من الأسواق المحلية وتقليص قدرة المصارف على تمويل القطاع الخاص والمشاريع الاستثمارية، الأمر الذي ينعكس سلباً على حركة الاقتصاد والنشاط التجاري، فضلاً عن إضعاف قدرة المصارف الحكومية نفسها على الاستمرار بإقراض الدولة كما كان يحدث خلال السنوات الماضية، لاسيما أن جزءاً كبيراً من سيولتها بات مرتبطاً بالدَّين الحكومي .
وتشير التقديرات المالية المستندة إلى الموازنة الثلاثية 2023 ـ 2025 إلى أن العراق يواجه عجزاً مالياً يقدر بنحو 64 تريليون دينار، أي ما يعادل قرابة 30 إلى 35 بالمئة من إجمالي حجم الموازنة العامة، وهي نسبة مرتفعة للغاية تعكس حجم الفجوة بين الإيرادات الفعلية وحجم الإنفاق الحكومي المتزايد، في وقت ما زالت فيه الدولة تعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية لتمويل الموازنة، مقابل ضعف واضح في مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى مثل الصناعة والزراعة والسياحة، فضلاً عن محدودية الإيرادات غير النفطية الناتجة عن الضرائب والرسوم والاستثمارات.
ومع تضاؤل قدرة الحكومة على التوسع بالاقتراض الداخلي، يبرز خيار الاقتراض الخارجي كأحد الحلول المطروحة لتجاوز الأزمة الحالية، خصوصاً أنه يوفر سيولة مالية أكبر ويخفف الضغط عن الجهاز المصرفي المحلي، إلا أن هذا الخيار لا يخلو من التحديات والمخاطر، إذ يرتبط غالباً بشروط وإصلاحات تفرضها المؤسسات المالية الدولية، تشمل تقليص الإنفاق الحكومي، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتقليل الهدر المالي، ومكافحة الفساد، فضلاً عن إصلاح النظام الضريبي وتعزيز الإيرادات غير النفطية.
أما الخيار الثالث، والأكثر أهمية على المدى البعيد، فهو تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد على النفط، إلا أن هذا الملف ظل لسنوات طويلة حبيس التصريحات الحكومية والخطط غير المنفذة، فعلى الرغم من تكرار الحديث عن دعم الصناعة الوطنية وتنشيط القطاع الزراعي وتشجيع الاستثمار، إلا أن الفساد الإداري والمالي وهيمنة الأحزاب المتنفذة على مفاصل الاقتصاد عطّلا معظم محاولات الإصلاح، وسط اتهامات متكررة لما يعرف بـ”اللجان الاقتصادية” التابعة للأحزاب بالسيطرة على قطاعات حيوية والاستحواذ على العقود والمشاريع الكبرى.
وفي ذات السياق أكد الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن خيار الاقتراض الداخلي بات أكثر صعوبة في ظل محدودية السيولة النقدية، لاسيما بعد لجوء الحكومة خلال أزمة العام الماضي إلى الاقتراض من المصارف الأهلية نتيجة تراجع أسعار النفط إلى ما دون 70 دولاراً للبرميل، الأمر الذي رفع حجم مديونية الحكومة للمصارف إلى نحو 96 تريليون دينار.
وأضاف أن المقترحات الحكومية الخاصة بالاقتراض لا تعدو كونها “مُسكِّنات مؤقتة” وليست حلولاً جذرية للأزمة المالية، في ظل غياب البدائل الاقتصادية الحقيقية لدى الحكومة.
وأشار إلى أن العراق بإمكانه الحصول على دعم طارئ يصل إلى خمسة مليارات دولار، باعتباره من الدول المؤسسة لصندوق النقد الدولي، فضلاً عن أنه لا يخضع للتصنيف الائتماني، إلا أن هذا الخيار سيؤدي إلى زيادة نسبة العجز المالي وتعميق حجم المديونية العامة للبلاد.
ويرى مراقبون أن استمرار النهج الحالي القائم على الاقتراض وتمويل الإنفاق التشغيلي سيقود البلاد إلى مزيد من التعقيد المالي، فيما يبقى الحل الحقيقي مرهوناً بإطلاق مشروع إصلاح اقتصادي شامل يُعيد توجيه موارد الدولة نحو التنمية والإنتاج.



