أيا صُورُ

مرتضى التميمي
مَن علَّمَ البحرَ هذا النحيبْ؟
ومن فجَّرَ الملحَ في الموجِ
حتى غدا الشاطئُ المستكينُ
نعوشاً تُساقُ إلى الريحِ
والغيمِ
والانفجار الأخير؟
أيا نجمةً
كلما مرَّ منها المساءُ
تدلّى على كتفِ الغيب جرحٌ جديدْ
إذا أشرقتْ
أيقظتْ في الحجارةِ
صوتَ الذينَ مضوا
حين كانتْ منازلُهم
تتوضأُ بالزعترِ البلديِّ
وتفتحُ أبوابَها للسنابلْ
وما الآنَ…؟
لا شيء إلا الدخانُ
يُربّي الخرابَ على مهلٍ
والسماءُ التي كانتِ الأمَّ
صارتْ تُنزّلُ موتاً كثيفاً
على صدرِ طفلٍ
يرى القصفَ
أقربَ من لعبةٍ
وأصدقَ من دفترِ المدرسة
فيا صورُ…
كم مرةً ينبغي للمدى
أن يموتَ أمامكِ
حتى يملَّ الرصاصُ ؟
وكم مرةً
يُصلبُ الزيتُ فوق التلالِ
ولا يتكلمُ هذا الوجودُ
سوى لغة شاردة
تغصّ بها الشفةُ الباردة
رأيتُ النساءَ
يمشّطن لليلِ ثمّ
يخبئنَ أسماءَ أولادِهنَّ
بقلب الوسائدِ
كي لا تموتَ مع القصفْ.
رأيتُ الرجالَ
وقد صارَ صوتُهمُ
خشباً يابساً
كلما ابتلعوا النارَ
دون بكاءْ
هنالكَ…
عند الحقولِ التي أحرقتْها الخرافةُ
كان العجوزُ يلمُّ الترابَ بكلتا يديه
كأنَّ الجنوبَ ابنُهُ للنهاية
وكانت عيونُ العجوزِ ترقّمُ دمعَ الجنوب
وتملأُ بؤبؤها بالبلادِ
وتفرغُ حزناً
على حجرٍ
لم يعد يعرف اسمَ البيوتْ
فيا صورُ…
أيتها الواقفةْ
كما الأرز مثلَ صلاةٍ قديمة
على شفة البحرِ
لا تنحني
فإنَّ الذينَ يمرّونَ
كالريحِ فوق الرمادِ
سيمضونَ يوماً
ويبقى لكِ الملحُ
والقمرُ الأبيضُ
والشهداءُ
الذينَ يضيئون ليلَ الخرابِ
كأنهمُ
نجمةٌ لا تموتْ
ولكنني الآنَ
أبكيكِ…
أبكي النوافذَ
حين تفتشُ عن أهلها
ولا تجدُ اليوم
غيرَ غبارِ الصواريخْ
أبكي المآذنَ
وهيَ تؤذنُ للموتِ
في ساحةٍ
أكلتْها الحرائقْ
أبكي الجنوبَ
الذي كلما ينزفُ
سيعطي العروبةَ قلباً جديداً
ويمضي وحيداً ليأخذ حصّتهُ من قبور الزمان
فنامي قليلاً
على كتفِ البحرِ يا صورُ.. نامي
لعلَّ المراكبَ
تحملُ عنكِ العويلَ
إلى اللهِ
أو تحملُ اللهَ
نحوكِ
كي يوقفَ اليوم هذا الجنونْ.



