النسخة الرقمية

فلسفة احترام العهد

كما هو معلوم فإِنّ الثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع تمثّل أهمّ دعائم رسوخ المجتمع، بل من دعائم تشكيل المجتمع وإِخراجه من حالة الآحاد المتفرّقة وإِعطائه صفة التجمّع، بالإِضافة لكون أصل الثقة المتبادلة يعدّ السند القويم للقيام بالفعاليات الاجتماعية والتعاون على مستوى واسع.
والعهد والقسم من مؤكّدات حفظ هذا الارتباط وهذه الثقة، وإِذا تصوّرنا مجتمعاً كان نقض العهد فيه هو السائد، فمعنى ذلك انعدام الثقة بشكل عامّ في ذلك المجتمع، وعندها سوف يتحوّل المجتمع إلى آحاد متناثرة تفتقد الارتباط والقدرة والفاعلية الاجتماعية.
ولهذا نجد أنّ الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة تؤكّد باهتمام بالغ مسألة الوفاء بالعهد والأيمان، وتعدّ نقضها من كبائر الذنوب.
وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إِلى أهمية هذا الموضوع في الإِسلام والجاهلية وعدّه من أهمّ الموضوعات في قوله عند عهده لمالك الأشتر «فإِنّه ليس من فرائض الله شيء الناس أشدّ عليه اجتماعاً من تفرّق أهوائهم وتشتّت آرائهم، من تعظيم الوفاء بالعهود، وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر». وجملة «لما استوبلوا من عواقب الغدر» معناها: لما نالهم من وبال من عواقب الغدر.
ونجد في أحكام الحرب الإِسلامية أنّ إِعطاء الأمان من فرد واحد من جيش المسلمين لشخص أو كتيبة من كتائب العدوّ يوجب مراعاة ذلك على كلّ المسلمين! نُقل عن الإِمام عليّ عليه السلام أنّ العهد حتّى لو كان بالإِشارة يجب الوفاء به، وذلك في قوله عليه السلام: «إذا أومى أحد من المسلمين أو أشار إِلى أحد من المشركين، فنزل على ذلك فهو في أمان» .
من الآثار السلبية لنقض العهود والأيمان شياع سوء ظنّ الناس وتنفّرهم من الدين الحقّ، وتشتّت الصفوف وفقدان الثقة حتّى لا يرغب الناس في الإِسلام، وإِنْ عقدوا معهم عهداً فسوف لا يجدون أنفسهم ملزمين بالوفاء به. وهذا ما يؤدّي لمساوئ ومفاسد كثيرة وبروز حالة التخلّف في الحياة الدنيا.
يقول المؤرّخون والمفسّرون: من جملة الأُمور التي جعلت الكثير من الناس في صدر الإِسلام يعتنقون هذا الدين الإِلهيّ العظيم هو التزام المسلمين الراسخ بالعهود والمواثيق و رعايتهم لأيمانهم. ونظراً لما لهذا الأمر من أهميّة قال سلمان الفارسيّ: «تهلك هذه الأُمّة بنقض مواثيقها». أيْ أنّ الوفاء بالعهد والميثاق كما أنّه يوجب القدرة والنعمة والتقدّم، فنقضهما يؤدّي إِلى الضعف والعجز والهلاك. والكلام الذي يجري على الوفاء يجري على الصدق فإنّهما توأمان كما قال الإمام عليه السلام. فالصدق من علامات صدق الإيمان و رأسه، عن الإمام عليّ عليه السلام: «الصدق أقوى دعائم الإيمان». وعنه عليه السلام: «الصدق رأس الدين» . وعنه عليه السلام: «الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرُّك، على الكذب حيث ينفعك».
وعن الإمام الصادق عليه السلام: «لا تغترّوا بصلاتهم ولا بصيامهم، فإنّ الرجل ربّما لهج بالصلاة والصوم حتّى لو تركه استوحش، ولكن اختبروهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة».
هذا وطريق الصدق هو طريق الأنبياء والأولياء الربّانيين، حيث كانوا يتجنّبون كلَّ كذب وغشِّ وخداع وحيلة في أفكارهم وأقوالهم وأعمالهم، وهذا بخلاف شياطين الإنس من الزعماء والرؤساء والملوك الذين ديدنهم الكذب والخداع والغشّ، وهذا من أسباب فشل المسلمين، ذلك أنَّهم اتّبعوا شياطين الإنس الكاذبين وتركوا الأشخاص الصادقين، في حين أنَّ الله تعالى أمرنا أن نكون مع الصادقين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِين﴾.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى