النسخة الرقمية

قراءة في كتاب : البصيرة معناها ، أهمّيّتها ، كيفيّتها

الدكتور عبدالله حاجي صادقي

كانت البصيرة ولا تزال تمثّل مركز الثقل الأكبر للعقل البشريّ؛ فهي نتاجه؛ بعد تلاقح ثقافات كثيرة في بوتقة وعاء العلم بأفكار بنّاءة غير هدّامة؛ لذا يكون لزاما للإنسان أن يكون بصيرا بالأمور ودقائقها؛ ليحيا الدنيا والحياة الآخرة بكلّ كرامة وعزّ؛ فيعمل على استجلاء معانيها، وتبيان أهمّيتها، ومعرفة آليّتها(كيفيّتها)؛ وبعد أن يفهمها إنسان واحد يعمل على نشرها في مجتمعه

الدكتور عبدالله حاجي صادقي
وهذا ما صنعه الإمام الخمينيّ، ومن بعده القائد الخامنائيّ؛ لتنبُع من هذه البصيرة حركة فكريّة تدعو إلى تقصّي المفردات، وفهم الجُمل والنصوص؛ من القرآن والسنّة النبويّة، وروايات أهل البيت المعتبرة؛ ليُستجلى المعنى بعين البصيرة لا بالباصرة؛ فالباصرة قد تكلّ وتضعف؛ ولكنّ البصيرة تقوى كلّما تقدّم الإنسان بالعمر، وكلّما تقدّمت الشعوب بالوعي.
وبالبصيرة وبالوعي تستطيع الشعوب مواجهة الظلم والاستبداد؛ فهما أعظم وسائل مواجهة الأعداء، ومن دونهما تكون البلدان والشعوب، وخيراتها وثرواتها، نهباً للأعداء والمستكبرين في الأرض، ومعهما تكون المنعة، والعزة، والكرامة، فهما طاردان للخوف والخنوع، وقاضيان على الشك والتردد؛ولذلك ناء المؤلّف بهذا الحمل الثقيل بعد أن وعى، واستحصل البصيرة؛ ليقولها كلمات رُصفت بدقّة لتكون كتابًا يحمل بين دفتيه تلك الأفكار؛ لتتكوّن بصيرة في الهدف، وتحديد للطريق، وانتخاب للأدوات والوسائل؛ ثمّ ترتسم الاستراتيجية في العمل، وتحدّد كيفيّة الإقدام، ومن بعدُ تتولّد البصيرة في معرفة الأعداء، ومعرفة الخطط والمؤامرات، والموانع والآفات، وتتحصّل البصيرة أيضاً في مقتضيات الزمان وضبط الأولويّات، وغير ذلك من موارد البصيرة.هذا ما حاوله المؤلّف: الباحث الدكتور عبدالله حاجي صدقي في كتابه الّذي وسمه (البصيرة؛ معناها، أهمّيتها، كيفيّتها)، حيث طرح إجابات مقتبسة من القرآن والسنّة الشريفة، والسيرة العمليّة لأهل البيت عليهم السلام، ومن التجربة الاستثنائية في تاريخنا المعاصر، وهي تجربة الجمهورية الإسلامية في إيران، ولذلك نجد الكاتب كثيراً ما يعتمد نصوصاً من كلمات قائد الجمهورية الإسلامية السيد علي الخامنئي (حفظه الله) وخطبه؛ لينطلق بعدها إلى بيان ماهيّة البصيرة، وأقسامها، وآثارها وثمارها، وعواملها، وموانعها، وطرائق رفع مستواها؛ ليفتح المؤلّف كُوّة مضيئة في التأليف في المعرفة الإسلاميّة المعاصرة من أجل الوصول إلى آخر الطريق.وقد بيّن المؤلّف أنّ للحفاظ على الثورة واستمرارها شروطاً و واجباتٍ خاصّةً، تلك الثورة التي فضلاً عن إحيائها الإسلام الأصيل، فقد حملت رسالة إعداد العالم وتهيئته لتحقق أكبر أهداف الأديان السماوية ولاسيّما الدين الإسلاميّ، ألا وهو إقامة حكومة آخر الحجج والوليّ المعصوم (عليه السلام)، وهذه الثورة الإسلاميّة أيضاً تتصدّى للأعداء الذين يرَون فيها تهديداً لوجودهم الاستكباريّ الاستبداديّ، ومن دون الاهتمام العلميّ والعمليّ بتلك الواجبات والشروط لا يمكن استمرار حركة الثورة محافظةً على محتواها وماهيّتها الإسلاميّة؛ وأهمّ شرط لاستمرار نجاح الثورة، هو امتلاك البصيرة والقدرة على الفهم، والتحليل، والتشخيص، والحركة الواعية.
إن البصيرة هي التي تقوّي أركان الثورة، وتفشل الحروب الناعمة والمسلحة، وتُحبِط الفتن، وجميع مؤامرات الأعداء، وهي الضمان لاستمرار الحركة على صراط الإسلام القويم والثورة الإسلامية؛ ولهذا السبب إنّ الجبهة المعادية للثورة بقيادة الاستكبار العالمي بعد فشلها في الحرب المسلحة، بدأت تستثمر كلّ أدوات الدعاية وأساليبها، وقامت بتسخير الحكومات العميلة، والقوى المخدوعة من قبيل الوهابية والحركات التكفيرية، لكي تستهدف بصيرة الأمة الثورية، من أجل تشويش الأذهان، وإشاعة التفكير السطحيّ؛ من أجل استمرار هيمنتها واستعمارها للشعوب، وإيقاف مدّ الوعي المتزايد الذي تشهده الأمة الإسلامية. إلا أنّ كلّ المخاطر الّتي خلقها الأعداء تحولت إلى فرص ملائمة ببركة النظام الولائي تحت راية القائد الحكيم والبصير، والمحيط بأمور زمانه، والمطلع على الحقائق، الذي كشف مؤامرات الأعداء، وفتنهم ومخططاتهم التي تقف وراءها أمريكا المستكبرة. إنّ أحد أكبر النعم والألطاف الإلهية هي وجود قائد استثنائيّ له القدرة على التجديد، والتفسير المبتكر المعاصر للمفاهيم الإسلامية؛ تلك المفاهيم والمعارف من قبيل المفاهيم والعبر المستوحاة من عاشوراء، والعوامّ والخواصّ المتّبعين للحقّ، والنفاق الجديد، والديمقراطية الدينية، والأهمّ من ذلك كلّه البصيرة، كلّ هذه المفاهيم التي استخرجها القائد (دام ظله) من المصادر الدينية، وقام ببيانها بأجمل صورة لتصير مصباح هداية في المسار الواعي للأمة الثوريّة.وقد عرض المؤلّف نماذجَ تطبيقيّةً عكست رؤيته في فَهم النصوص الّتي تناولت البصيرة ؛ فيكون قد جمع بين فهمه الدقيق، وبين استشراف المستقبل الّذي تريد اتّباعه الأمّة الإسلاميّة في العصر الحديث؛ فهو يتعامل مع الواقع المعيش؛ وليس مع الأحلام الطوباويّة الّتي عاشتها أمم أخرى؛ كلّ ذلك لأنّه يحمل همّ النهوض بالواقع نحو الأفضل.
والمؤلّف في الوقت نفسه لم ينفصل عن الماضي، ولا عن الأمور المفصليّة في رسم المعطى القرآنيّ؛ والمعطيات الروائيّة؛ فقد انطلق من أمرٍ له أصلفي الموروث الفكريّ الإسلاميّ، لتكون له قراءة للنصّ قراءةً أوّليّةً؛ ثمّ قراءة جديدة؛ وذلك بعد ربط استشهاد القائد الخامنائيّ بالآيات القرآنيّة والروايات الشريفة؛ وصبّ هذا الفهم والاستشهاد بكلام واضح ومفهوم عند الخاصّة والعامّة.
وقد شرع المؤلّف ببيان المعنى اللّغويّ؛ ليلج منه إلى فهم ماهيّة البصيرة؛ مكوّنًا منها مدخلًا تمهيديًّا لها في ما يأتي من فصول؛ فهي؛ أي:البصيرة مشتقة من البصر.ليجد تقاربا في المعنى بين هذين المصطلحين؛ إذ إنّ كليهما من مقولة الإبصار والمعرفة، إلّا أنّ هناك اختلافاً بينهما في الاستعمال، فالبصر يستعمل في الملموسات، والمحسوسات، والمشاهدات العينيّة، وأمّا البصيرة فهي نوع خاصّ من الفهم والرؤية، وهي من المفاهيم الانتزاعيّة.
ثمّ بيّن المؤلّف أنّه: لا يوجد لمصطلح البصيرة معنًى متفق عليه، إذ ذكر اللّغويّون معاني متعدّدة له، من قبيل: العلم، والمعرفة، والحجة، والبرهان، والوضوح، والعقيدة القلبية، واليقين، والفطنة، وقوّة الإدراك القلبيّة، والوعي، وإبصار العقل، والشهود، والعبرة، والتأمّل الشمولي، واليقظة، وما إلى ذلك؛ وبعد ذلك ذكر المؤلّف مفهوماً جامعاً لكلّ هذه المعاني وهو الإدراك القطعيّ العقلانيّ والقلبيّ. ليخرج لنا بحصيلة؛ وهي أنْليس للبصيرة معنًى استعماليّ واصطلاحيّ متّفق عليه، إذ إنّ كلّ باحث عرّفه في نطاق خاصّ بما يتلاءم وذوقه، وتخصّصه، واستعماله؛ فبعضهم عرّفوا البصيرة بلحاظ أسبابها وعواملها، وبعضهم الآخر بلحاظ نتائجها وآثارها، وثالث بلحاظ متطلباتها.وبعد ذلك بيّن أنّها استعملت على أنها إحدى الاستراتيجيات والمناهج المهمّة للقوى الثورية – لذا تبنّى في هذا الكتاب التعريف العمليّ والاستعماليّ الآتي: (البصيرة هي إدراك الحقائق والواقعيات بنحو عميق، وصحيح، وقطعي، وفي الوقت المناسب، والتصديق الذي يوجب القدرة على التحليل والتشخيص والحركة الواعية، وتمييز الحقّ والصراط المستقيم، والمراتب العليا منها تحصل بإفاضة ولطف إلهيّ). وبلحاظ هذا التعريف أمكن المؤلّف اعتبار الأمور الآتية من علامات البصيرة ومؤشّراتها، وبمجموعها تجعل البصيرة تتجلّى بأفضل وجه، وهي:
• البصيرة هي التفكير والإدراك العميق، وتستتبع اعتقاداً وتصديقاً قلبياً راسخاً، ولا تقتصر على الظواهر ولا تتقيد بها.
• البصيرة هي المعرفة القطعية، اليقينية، الواضحة، ولا يوجد فيها احتمال الخلاف، وهي بذلك تختلف عن العلم الظني وغير اليقيني.
• إن نطاق البصيرة يشمل حقائق الوجود، وكذلك الواقعيات والأحداث الخارجية.
• البصيرة هي الإدراك الصحيح في وقته، مما يؤدي إلى التصرّف في الوقت المناسب، وليس المتأخر.
• البصيرة من خلال ترسيخها الإيمان ترسيخاً واعياً وتثبيتها الاعتقاد الذي لا يتزلزل، تؤدي إلى الاستقامة والثبات على الأصول والمبادئ.
• البصيرة عامل لتحديد الصراط المستقيم، وتمييز الحق عن الباطل، وخاصة في حالات اختلاطهما في أوقات الفتنة وإثارة الشبهات.
• البصيرة تؤدي إلى القدرة على تحليل الواقعيات والحوادث قبل أن تقع، وتمنح الفرصة للاختيار والتقويم واتخاذ القرار الصحيح.
• البصيرة تقف مانعاً أمام الانفعال والانخداع بحيل الأعداء الخفية والعلنية ومؤامراتهم، والاستسلام لهجومهم الناعم.
• البصيرة تسهّل كيفية الحركة من الواقعيات [ما هو كائن بالفعل] نحو الحقائق [ما ينبغي أن يكون] وتمثّل الأساس الذي تبتني عليه الاستراتيجيات المؤثرة.
• البصيرة هي نور في الضمير وجوهر باطني، ومراتبه العليا من مصاديق العلم الحضوري، يهبه الله سبحانه بإفاضة منه، وإشراق لمن يستحق من عباده.
وبعد السياحة في الكتاب توصّل المؤلّف إلى نتيجةٍ في غاية الأهمّيّة، وهي: إنّ الالتزام الفكريّ والعملي بأركان الثورة وأصولها المحورية القطعية هو من أهمّ ضرورات الحركة الثورية في مسير النظام الولائيّ، وهو ضروري أيضاً من أجل الوصول إلى الأهداف دون حيد أو انحراف، وكلّما ازداد الاهتمام بالأصول ارتفع معه مستوى البصيرة والمواقف الواعية الحازمة، وانخفضت مستويات التأثر بمؤامرات الأعداء والانشغال بالأمور الجانبية المعيقة للحركة؛ لذا يجب على الخواصّ والنخبة الثورية والمدافعين عن النظام الولائيّ التصدّي لمثيري الفتنة وقطّاع طريق الهداية الذي يحاولون بأساليبَ شيطانيّةٍ نشر حالة الغفلة عن أصول الثورة ومبانيها سعياً منهم لخلق العقبات والموانع أمام الناس، ولا سيما الشباب لكي لا يتمكنوا من تشخيص الأمور واتخاذ المواقف المناسبة، فعلى هؤلاء النخبة والخواصّ توضيح وترويج وترسيخ أصول وأركان النظام الإسلامي، وتنمية بصيرة الأمة الإسلامية، وجعل هذه الأصول محوراً ومعياراً لكل الخطوات والتحركات، وأن لا يسمحوا للأعداء بتوجيه ضربة لها تؤدي إلى إضعاف قوة وصلابة الثورة والنظام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى