الأدب رسالة على عاتق الأديب لأنه صوت الجماعة جميلة بلطي عطوي: ديوان «أحلام ومراكب» .. الحلم نافورة الحياة معه وبه تعمر المراكب

المراقب العراقي/ عزيز البزوني
جميلة بلطوي عطوي، شاعرة تونسية، أستاذة في اللغة والآداب العربية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية 9 أفريل تونس والترجمة بالمعاهد الثانوية ـ شهادة تكميلية في الفرنسية العصرية, نائب رئيس جمعية «ملتقى الحرف الأصيل» الأدبية, الإصدارات: احلام ومراكب, همس الحنين. عضو لجان التحكيم في العديد من المجلات, لديها العديد من المشاركات في مهرجانات والأمسيات الأدبية حازت على الكثير من التكريمات, إلتقيناها فكان هذا الحوار معها:* كيف تقرئين الدّور التونسي الثقافي في الحفاظ على الهويّة والتّراث العربي؟
ـ التعلّق بالهويّة والتّراث سمة المجتمعات منذ بدء الخليقة إذ يحدّدان تميّز مجتمع ما وتفرّده لذلك نلحظ حرص الشّعوب على كسب هويّة تساهم في رفع شأن الأفراد والجماعات علما أنّ اكتساب الهويّة يزيد الوعي بالذّات الثّقافيّة وهو ما يميّز الشّعوب عن بعضها البعض. وتونس ككلّ الشّعوب تفخر بانتمائها الثّقافي وتحرص شديدا على تكريس الهويّة العربية الإسلاميّة في الأجيال المتعاقبة جدار صدّ ضدّ الغزو الثّقافي الغربي لتبقى اللّغة العربيّة اللّغة الأمّ ويظلّ التّراث العربي الإسلامي في جميع مناحي الحياة مرجعيّة جليلة. ولئن بَانَ للكثير أنّ تونس منفتحة على الغرب انفتاحا مبالغا فيه فإنّ الجواب يؤكّد أنّ هذا الانفتاح على الآخر ضرورة حضاريّة يحتّمها نمط الحياة الإنساني إذ لا تقدّم لأيّ مجتمع دون مواكبة التطوّر السّاري في بقيّة والمجتمعات ، علما أنّ تونس كان انفتاحها منذ القدم انفتاحا معتدلا يسجّل الإضافة لكنّه لا يفرّط في الثّوابت الداعمة للهويّة والتّراث.
* الصورة الشّعريّة الّتي ترسم المعنى بالسّرد أو الوصف أو الإشارة والمفردات الخاصّة بالتّجربة الشّعريّة كذلك رؤية والعلاقة معه هي القادرة على تحديد هويّة الشّاعر كيف ذلك؟
ـ الأنماط الأدبيّة على اختلافها يجمع بينها هدف جامع يتجسّد في الإبلاغ إذ اعتماد السّرد أو الوصف يصبّ في اتجاه واحد هو كيفيّة التّعامل مع الأساليب وتسخيرها لخدمة المضمون . ومن هذا المنطلق يمكن أن نتطرّق إلى الحديث عن التجربة لدى الشّاعر أو الكاتب في علاقتها بعالمين أولهما هو العالم الداخلي ممثّلا في أحوال الأديب الباطنة وثانيهما الخارجي مجسّدا في المحيط الّذي ينتمي إليه، عالمان في رأيي يتكاملان ويدعمان الفكرة السّائدة في ربط الصّلة الوثيقة بين الأديب ومحيطه « الأديب ابن بيئته يتأثر بها ويؤثّر فيها» لذلك لا غرابة في أن نستجلي جوانب من ذات الشّاعر في ما يكتب أو أن تظهر لنا بصمة انتماء لاتجاه ما. غير أن الخطأ الشّائع هو الخلط بين حياة الأديب الخاصّة وما يكتب إذ ما يكتبه لا يمكن أن يكون دائما عائدا إلى تجربة فعليّة عاشها وهذا لعمري يؤكد أنّ الأدب رسالة على عاتق الأديب بعدّه صوت الجماعة ومن هنا يمكننا القول إنّه يتجاوز حدود الذاتي إلى الجماعي الموضوعي.
* الشّعر زبدة اللّغة هو ما لا يقوله أيّ جنس أدبيّ آخر.
ـ يعدّ الشعر من الفنون الأولى عند العرب إلى حدّ أن تواتر قول «الشّعر ديوان العرب» بعدّه جماع أوضاعهم وثقافتهم وتاريخهم لذلك حاول العرب أن يميّزوه عن غيره من أصناف الكلام فقنّنوه بالوزن والقافية ليكون بناؤه مختلفا وتأثيره في المتلقّي أشدّ. ولعلّ العناية بالأساليب إضافة إلى ما ذكر كالبلاغة والصّورة والخيال توفّر فيه شحنة عاطفيّة تؤهّله لأن يكون زبدة الكلام غير أنّ الأنماط الكتابيّة الأخرى لا تقلّ شأنا عن الشّعر إذ يتوفّر فيها التّفنّن الذي يؤثّر في المتلقّي من خلال البناء سردا كان ، حوارا ، وصفا وإدهاشا وهي حركة نثريّة تنافس الشّعر منذ عهد الخطابة وما كانت تلعبه من دور في التحميس والتحفيز مرورا بالمقامات وصولا إلى ما يعرف الآن بالسّرد التعبيري المجسّد خاصّة في القصيدة الأفقيّة. يقول الدكتور أنور غني الموسوي في دراسته لهذا النمط الجديد من الكتابة «بالسّرديّة التعبيريّة صار وجه القصيدة أكثر نثريّة وصارت الرّغبة ملحّة بالكتابة بلغة واضحة سهلة ، بلغة يوميّة وبالنثر اليومي إلّا أنّ وسط هذه السّهولة والقرب والنثريّة السرديّة وبفقرة واحدة متّصلة دون تشطير تحدث الشّعريّة ويتحقّق الأمر العجيب…إنّه الشّعر في قلب النّثر ، إنّه الشّعر داخل النّثر».
* يقال بأنّ القصّة القصيرة اختزلت السّرد الرّوائي وبرعت في الإدهاش والتّكثيف، كانت بمثابة جرعة عالية أيضا.
ـ القصّة القصيرة فنّ من فنون الكتابة شاع في العصر الحديث وتمكّن من أن يصيح فنّا قائما بذاته ، يحتوي في جمله القليلة على الحدث والأفكار بشكل مكثّف ومختزل علاوة على تميّزه بالتصوير البلاغي مستقطبا اهتمام القارئ ومؤثّرا فيه ولعلّ نجاح هذا النوع من الكتابة يعود أساسا إلى نمط الحياة المعاصرة المتميّزة بالسرعة إذ الوقت ما عاد ملك الأشخاص بل باتوا يركضون ركضا خلفه مقطوعي الأنفاس، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى نجد عزوف الإنسان المعاصر عموما والعربي خصوصا عن القراءة وميله إلى كل ما يتصل بالمعلوماتيّة والجرعات الخفيفة ، سلوك أسقطه في البحث عن ألأسهل والأسرع وتلك لعمري أسباب تدفع الكتاب عموما والرواية إلى الظلّ بل تفسح المجال للقصّة القصيرة والقصيرة جدّا لأن تفتكّ الأضواء وتحتلّ مكان الصّدارة.
* «أحلام ومراكب» و»همس الحنين» ماذا أردت أن تقولي من خلال هذين العنوانين؟
ـ «أحلام ومراكب» الحلم نافورة الحياة معه وبه تعمر المراكب وتمتلك ما يشحنها صمودا ،إنّه شراع المركب يؤمّن الرّحلة ويسقي المجداف قوة بها يتحدّى اليمّ الطّامي فيصبح قادرا على المواجهة ولِمَ لا التغلّب على العواصف الهوجاء. الأحلام والمراكب علاقة جدليّة في حياة الإنسان فالمركب جسد والحلم دورته الدّموية منها يرتشف الحياة. « همس الحنين» الحنين لغة العاطفة ،صوت ينبجس من أعماق الذات ويكسر قمقم الصّمت ليتحوّل معبرا إلى شاطئ الغياب . هو رفيق الأزمات يأخذ بأيدينا كلّما ضاقت علينا حلقات الواقع ، به نلوذ وفي رحابه نبحث عن البديل المريح ،بل لعلّ البعض يرى أنه منزلة أرفع من الشوق إذ الشوق يذكي إحساس المعاناة بينما الحنين جناح خفّاق يرحل بنا إلى عوالم مشتهاة ، معه نكسر الفواصل الزّمنيّة ونستمدّ ما به تستمرّ المسيرة. ديوان همس الحنين صدر عن دار الاتحاد للنشر والتوزيع تونس 2017 يمتدّ على 130 صفحة يتضمّن 43 قصيدة نثريّة.
* كيف ترين العلاقة بين النقد والأدباء الجدد في تونس؟
ـ الحركة الثّقافيّة في هذه الأيّام تكاد تكون راكدة رغم بعض المجهودات بين الحين والآخر فالكتاب لا يلقى ما يتطلّب من العناية حتّى أنّ الاعتمادات الخاصّة به تكاد لا تفي بالحاجة . أمّا عن النّشر والتّوزيع فحدّث ولا حرج نتيجة ارتفاع الكلفة وانسداد آفاق التّوزيع ولعلّ أكثر المتضرّرين من هذه الظّاهرة هم أصحاب الإصدارات الجديدة إذ تعوقهم التكاليف المادّيّة من ناحية وغياب الدّعم من ناحية أخرى، زد على ذلك أن الإصدرات التي يحالفها الحظّ وترى النّور لا تجد من يثمّنها أو يدعم ترويجها فلا النّقّاد يقبلون عليها ولا أصحاب المكتبات يتكفّلون بعرضها . وهذا لعمري من شأنه أن يعود بالضّرر على الثّقافة عموما وعلى النّاشئة بوجه خاص في ظل هذا الغزو المعلوماتي الذي يحاصر الكتاب ويُكرّس من الجميع.



