خطر الانحراف السياسي
في الحقيقة .. إنَّما تسقط الأحزاب في فتنة الاحتواء من قبل المحاور السياسيّة الشيطانيّة لسببين: الحاجة للدعم الماديّ والحاجة لمن يوفِّر لها الأمن..فإذا أصبحت تلك المحاور مصدر تموين أو أصبحت مركز حمايةٍ لأيِّ حزب، فهذا يعني أنَّه بدأ الانحراف عن خطِّه السليم. هنا ينبري السؤال الذي يقول: كيف يُحصِّن الخط السياسيُّ نفسه تجاه هذا الخطر ؟. والجواب: بتوفير ثلاثة أمور: الأول: الاستقلال الاقتصاديّ عن هذه المحاور.. الثاني: تأمين الحماية الداخليّة.. الثالث: زيادة الوعي السياسيِّ لدى الأفراد ولكي يُوفِّر الخط السياسيُّ الاستقلال الماديَّ والأمنيَّ، فإنَّه مُضطرٌّ للاعتماد على القيادة الدينيّة الصالحة والجماهير في ذلك، وأن يخترع له طُرُقه الخاصّة التي تدفع الجماهير لحمايته ماديّاً وأمنيّاً..إنَّ الاستقلال يعد قيمةً حضاريّة، وكلَّما كان الخط أكثر استقلالاً كانت قدرته على مواجهة الصعاب أكبر، ألا نرى أنَّ الشخص الذي يُفضِّل الجوع على الخضوع أصلب عوداً من الذي يُساق وراء حاجة البطن والفرج، وكما في الفرد كذلك في المُجتمَع، فالخط الذي لا يمدُّ يده إلاّ إلى جماهيره هو الذي يستحقُّ قيادة الأمّة غداً؛ لأنَّه كلّما كان الخط مُعتمِداً على جماهيره كانت قدرة المحاور على احتوائه أقلَّ؛ ومن ثمَّ تكون هناك القدرة على الاستمرار والانتصار .. ولماذا يضطرُّ الخط السياسيُّ للذهاب إلى الحكومات، هل لكي تحميه أم لكي تُموِّله ؟ إنَّ القيادة الدينيّة الصالحة والجماهير أفضل من يستطيع حماية العاملين من البطش والتصفية، فليذهب كلُّ عنصرٍ إلى الناس الذين عمل لهدايتهم وسيجد أفضل حمايةٍ له، بل سيرى أنَّهم يُضحّون بمستقبلهم من أجله.
نعم..إذا عاش أبناء الخط السياسيِّ في أبراج عاجيّة، وبنوا بينهم وبين الجماهير سوراً عالياً، ومارسوا التكبُّر، حينها لا يجوز لهم أن يتوقّعوا من الناس أيَّة حمايةٍ في ساعة العُسرة؛ لأنَّهم لم يحموا أحداً، فلن يحميهم أحد..إنَّ استثمار طاقات وإمكانيّات القيادة الدينيّة الصالحة والجماهير، واعتبارهم رأس المال الحقيقيِّ لدى الخط السياسيِّ هو الذي يجعل الجماهير سنداً للخطِّ أمام الأعداء والمناوئين، كما أنَّها ستكون الرافد الرئيس للتموين، ومن الخطورة بمكان أن ينفصل الخط السياسيُّ عن قيادته الدينيّة وجماهيره، إذ لا استقلال إلاّ بالجماهير، ولا حزب بلا استقلال.
مقتطفات من كتاب : قواعد السلوك السياسي، ص : 385.



