ثورة الحسين «عليه السلام» .. التخطيط والنتائج

غريبة هي قصّة الحسين عليه السلام، فهو لم يكن النور الخامس في عالم الأنوار فقط، بل لم يكن إسمه من الأسماء التي دعت بها الأنبياء فقط، بل تميَّز الحسين عليه السلام بعلاقة خاصة بأنبياء الله تعالى الذين بكَوْا عليه طوال التاريخ قبل أن يولد..فقد روى صاحب الدرّ الثمين في تفسير قوله تعالى: }فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ{ أنّه رأى ساق العرش وأسماء النبيّ والأئمّة عليهم السلام فلقَّنه جبرئيل: يا حميد بحقّ محمّد، يا عالي بحقِّ عليّ، يا فاطر بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن والحسين ومنك الإحسان,فلمّا ذكر الحسين سالت دموعه وانخشع قلبه، وقال: يا أخي جبرئيل في ذكر الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي!! قال جبرئيل: ولدُك هذا يُصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب، فقال: يا أخي وما هي؟ قال: يُقتل عطشانَ غريباً وحيداً فريداً، ليس له ناصر ولا معين، ولو تراه يا آدم، وهو يقول: واعطشاه، واقلَّة ناصراه، حتى يحول العطش بينه وبين السماء كالدخان، فلم يجبه أحد إلاَّ بالسيوف، وشرب الحتوف، فيُذبح ذبح الشاة من قفاه، ويَنهبُ رحلَه أعداؤه، وتُشهر رؤوسهم هو وأنصاره في البلدان، ومعهم النسوان، كذلك سبق في علم الواحد المنّان، فبكى آدم وجبرئيل بكاء الثكلى»ويتكرّر لقاء آدم عليه السلام بالحسين حينما يهبط إلى الأرض طائفاً فيها، فيمرّ بكربلاء، فيغتمّ ويضيق صدره من غير سبب، فيرفع رأسه إلى السماء ويقول: إلهي هل حدث منّي ذنب آخر فعاقبتني به؟ فإنّي طفت جميع الأرض، وما أصابني سوء مثل ما أصابني في هذه الأرض,فأوحى الله إليه: يا آدم ما حدث منك ذنب، ولكن يُقتل في هذه الأرض ولدك الحسين ظلماً فسال دمُك موافقة لدمه..»..و رُوي أنّ عيسى عليه السلام كان سائحاً في البراري، ومعه الحواريّون، فمرّوا بكربلاء فرأوا أسداً كاسراً قد أخذ الطريق، فتقدّم عيسى إلى الأسد فقال له: لِمَ جلست في هذا الطريق؟.. فقال الأسد بلسان فصيح: إنّي لم أدع لكم الطريق حتى تلعنوا يزيد قاتل الحسين عليه السلام… فرفع عيسى عليه السلام يديه ولعن يزيد ودعا عليه وأمَّن الحواريّون على دعائه فتنحَّى الأسد عن طريقهم ومضَوْا لشأنهم,إنّ بكاء أنبياء الله عليهم السلام على الحسين عليه السلام لم يكن لمجرّد المأساة التي حصلت في كربلاء، بل لأنّ قتل الحسين عليه السلام وسبي نسائه كان فيهما إحياء لدين الله الخالد، وللشريعة الخاتمة التي تمثّل طريق تحقيق سرّ الخلق وغايته. فالحسين بدمائه حافظ على الإسلام بعد ثورته في ذلك المجتمع المهزوم الذي كان الإسلام فيه يُمحى دون أن يتحرّك أحد، والذي لم يوقظه إلاَّ دماء الحسين عليه السلام في كربلاء. سار الإمام الحسين عليه السلام ومعه النساء وفيهن بنات علي بن أبي طالب عليه السلام، وفيهن السيّدة زينب حفيدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذهنَّ وهو يعلم أنّهنَّ سيصبحن سبايا وهذا ما يكشف عن ظلم الأمويّين وفسادهم وغيّهم الكبير.وكان الحسين عليه السلام يدرك الدور الإعلاميّ الذي ستقوم به السبايا في مجتمعات المسلمين، وهكذا حدث…فبينما دخلت السبايا الكوفة، قامت زينب عليه السلام وخطبت تلك الخطبة التي توبّخ فيها أهل العراق وهم يضجّون بالبكاء، قائلة: «يا أهل الكوفة، يا أهل الخَتْل والغدر، أتبكون فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنَّة.. ألا بئس ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون وتنتحبون، أي والله فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً فلقد ذهبتم بعارها وشَنارِها، ولن تَرْحَضوها بغُسْلٍ بعدها أبداً، وأنَّى تَرْحَضون، قُتل سليل النبوّة، ومعدِنُ الرسالة… وسيّد شباب أهل الجنّة، ألا ساء ما يَزِرون…»وتبعت زينبَ عليه السلام فاطمةُ بنت الحسين عليه السلام لتخطب في أهل الكوفة قائلة: «ويلَكم! أتدرون أيّة يد طاعنتنا منكم؟! وأيّة نفس نزعت إلى قتالنا؟! أم بأيّة رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا؟ قست قلوبكم وغَلُظت أكبادكم…»فارتفعت الأصوات بالبكاء واستُشهد الإمام الحسين عليه السلام ومن معه، وتناقل الناس صورة ملحمة كربلاء وأصبح نداء الحسين الذي لم يكن يسمعه الناس يدقُّ في آذانهم دقّاً,وسمع أهل المدينة بملحمة عاشوراء، وأعلنوا الثورة ، وندم أهل الكوفة لخذلانهم الحسين عليه السلام واجتمعوا إلى رؤسائهم وأعلنوا الثورة ، وخرج المختار من سجن الأمويّين تتردّد على مسامعه أصداء كربلاء، واجتمع الناس حوله وقام بثورته بعنوان «الثأر للحسين عليه السلام «. وتوالت الثورات..غريب أمر الحسين عليه السلام وقف في صحراء كربلاء في يوم عاشوراء وحيداً بعد أن قُتل أهل بيته وأصحابه ونادى في صحراء كربلاء «ألا من ناصرٍ ينصرني» والناس حوله لا يسمعون لكنَّ نداء الحسين عليه السلام اخترق دائرة الزمان والمكان فكان نداؤه كنداء جدّه إبراهيم عليه السلام حينما وقف على صخرة الكعبة وأذَّن في الناس بالحجّ، كان إبراهيم وحيداً إلاَّ أنّ نداءه الإلهيّ وصل إلى قلوب الملايين من الناس، فترى الملايين تذهب إلى بيت الله الحرام تلبّي نداء إبراهيم عليه السلام. وكان الحسين عليه السلام وحيداً في ندائه «هل من ناصر ينصرني» وإذا بنداء الحسين عليه السلام يخترق الزمان والمكان، ليدخل في قلوب المؤمنين يُولِّد فيها حرارةً لا تنطفىء أبداً وإذا بالملايين من شيعة الحسين عليه السلام تتهافت إلى بيت الحسين عليه السلام في ذكرى عاشوراء.يا لَعظَمة الحسين عليه السلام !!كان وحيداً في كربلاء دون ناصر ومعين…وأين هو اليوم؟… انظر أين أنت لتدرك عظمة الحسين عليه السلام… بنى المسلمون المساجد ولكنّهم لم يبنوا بيوتاً للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبيوتاً لعلي عليه السلام ولكن قلّما تجد بلداً فيه شيعة الحسين عليه السلام إلّا وللحسين عليه السلام فيه بيت، بيت يدرس فيه منهج الحسين عليه السلام، بيت يتعلّم الناس فيه أن لا يبايعوا يزيديّي عصرهم كما رفض الحسين عليه السلام أن يبايع، بيت يرفض فيه الشيخ «راغب حرب» أن يصافح المحتلّ الإسرائيليّ لأنّ المصافحة اعتراف.. بيت يتعلّم الناس فيه أن لا يخافوا الظالمين، أن يواجهوهم ولو كانوا قلّة كما لم يخف أصحاب الحسين عليه السلام وهم النزر القليل… بيت أبي حسين القرن العشرين الإمام الخمينيّ العظيم{ حينما لبّى نداء الحسين عليه السلام فنصره اللهُ في إيران ليرسم معالم القيادة التي ثار الحسين عليه السلام لأجل إصلاحها، أبى بعد ثورته إلاَّ أن يكون منطلق ندائه للأمّة هو من بيت الحسين عليه السلام من حسينيّة «جمران». بيت يتعلّم فيه أبناء الحسين عليه السلام أن لا يكرّروا تجربة الأمّة المهزومة في زمن الحسين عليه السلام كان الأمويّون يحرّفون الدين..في زمن الحسين عليه السلام كان الأمويّون يُرهّبون الناس..في زمن الحسين عليه السلام كان «يزيد» يريد البيعة. وتتكرّر في عصرنا هذه الاستحقاقات الثلاثة:فالصهاينة يزيديّو العصر يحاولون تحريف الإسلام ويرهبون الناس ويعرضون الصلح والبيعة..ويقف أبناء الحسين عليه السلام موقف الحسين عليه السلام في كربلاء يقاومون التحريف ويسخرون بإرهاب الصهاينة ويرفضون البيعة ليزيد ويؤكّدون البيعة لحسين العصر فقيه الأمّة و وليّها الإمام الخامنئي حفظه الله، وقد أبى إلاَّ أن يكون منطلق نداءاته للأمّة من بيت الحسين عليه السلام..كلّ هذا ببركة الحسين عليه السلام..ببركة مجالس أبي عبد الله الحسين عليه السلام كما قال إمام الأمّة الراحل: «كلّ ما عندنا هو من مجالس عاشوراء».



