النسخة الرقمية

قراءة في كتاب مراتب فهم القرآن لمؤلّفه: الشيخ الدكتور طلال الحسن

كان القرآن الكريم ولا يزال يمثّل مركز الحركة الفكريّة والتشريعيّة في الإسلام، وهذا ما يدعو إلى تقصّي مفرداته وجُمله وموضوعاته، والسعي إلى استجلاء معانيه المتجدّدة مع كلّ عصرٍ، والعمل على تطبيقه في حياتنا العمليّة؛ إنقاذًا من ظلمات الجهل، وطلبا لمرضاته تعالى..ولذلك نحتاج إلى الوقوف على وظيفتنا الفعليّة تجاه القرآن الكريم؛ فقد دأب أعلام التفسير على بيان القرآن الكريم وتفسيره، مع محاولاتٍ يسيرةٍ لتأويل بعض آياته، ومع ذلك لم يتّضح لنا نوع الوظيفة وحدودها، فهل المطلوب منّا تفسيره أو تأويله أو هنالك أمر آخر؟وهذا ما يحاول أن يجيب عنه هذا الكتاب الموسوم (مراتب فهم القرآن الكريم)، للباحث الدكتور طلالٍ الحسن الطليباويّ، حيث يطرح مفهوم (الفهم) في قبال التفسير والتأويل، لينطلق بعدها إلى بيان ماهيّة الفهم وأقسامه ومراتبه وسبل الوصول إليه، في محاولة جادّةٍ سجّل فيها قصب السبق في تحرير هذه المفردة من الترادف المزعوم لها مع مفردة التفسيرفقد حرص المؤلّف على عرض نموذجٍ تطبيقيٍّ عكس بدراسته عملانيّة نظريّته في الفهم ومراتبه، فيكون قد جمع بين النظريّة والتطبيق. بعد أن تعرّض لأعلام التفسير وعلوم القرآن في بيان حقيقة التفسير والتأويل وأهمّيّتهما، وبيان المناهج والأساليب والاتّجاهات التفسيريّة، لافتين أنظار المتتبّع إلى أهميّة المنهج وخطورة الاتّجاه.ولكنّ أقلامهم التحقيقيّة قد غفلت عن أمورٍ مفصليّةٍ في رسم المعطى القرآنيّ؛ فقد انطلقوا من أمرٍ لا أصل له البتّة، أو إذا تفاءلنا فهو بحاجةٍ إلى بحثٍ وتحقيقٍ، وهو تحديد منهج التفسير وأسلوبه في رتبةٍ سابقةٍ عن قراءة النصّ قراءةً أوّليّةً؛ فتجد بعض الأعاظم منهم يصرّح في السطور الأولى بأنّه سوف ينطلق بمهمّته التفسيريّة بمعيّة منهج تفسير القرآن بالقرآن، وذلك بعد بيان بطلان أو ضعف المناهج الأخرى، كما تجد أعاظم آخرين يصرّحون بتحديد الأسلوب التفسيريّ الّذي سيعتمدونه في مهمّتهم التفسيريّة في سطورهم الأولى أيضًا.وقد استغرب المؤلّف كيف تمّ إلغاء مدخليّة النصّ القرآنيّ في تحديد ملامح منهج التفسير وأسلوبه ، وإنّها لقراءةٌ قسريّةٌ وتطويعيّةٌ للنصّ القرآنيّ؛ فالنصّ القرآنيّ – بطبيعة الحال – هو موضوع العمليّة التفسيريّة والتأويليّة معًا، كما أنّ فهمه هو الهدف الأوّليّ والحقيقيّ من وراء ما يحشده المفسّر والمؤوّل للنصّ، وبحسَب تتبّع المؤلّف – وجد المتصدّين لفهم القرآن – تفسيرا وتأويلاً – قد أوقعوا أنفسهم في إشكاليّاتٍ خطيرةٍ جدًّا، جعله يصفها بالأخطاء التاريخيّة؛ الّتي لا تزال حاكمةً في الساحة التفسيريّة، رغم المحاولات الجادّة الّتي نلمحها من هنا وهناك لتصحيحها.إنّ أعظم هذه الأخطاء – الّتي جاءت نتيجة حتميّة لاعتقادهم – هي تطويع النصّ ومحاصرته بمنهجٍ أو أسلوبٍ تفسيريٍّ فرضه المفسّر على النصّ؛ فسواءٌ شاء النصّ أم أبى سينقاد لمعطيات ذلك المنهج وذلك الأسلوب، وتبعا لذلك سوف يكون النصّ منقادا لفهم المفسّر لذلك المنهج وذلك الأسلوب في التفسير!ممّا يعنيأنّ موضوعيّة النصّ القرآنيّ وفهمه لم تكونا محرِّكتين أو فاعلتين في المهمّة التفسيريّة الّتي اضطلع بها المفسّر، وإنّما انحصرت الموضوعيّة والهدفيّة في تحقيق تطبيقات منهج وأسلوب التفسير معًا!إنّه خطأٌ معرفيٌّ خطيرٌ جدًّا، وخسارةٌ كبرى، والخسارة الأعظم هي أنّنا نجد أنفسنا أمام كمٍّ هائلٍ من المصنّفات التفسيريّة والتأويليّة ومصنّفات علوم القرآن قد انطلقت من تلك الإشكاليّة التاريخيّة؛ فهي نتاجٌ ذلك الخطأ التاريخيّ منذ أن انطلقت العمليّتان التفسيريّة والتأويليّة..هذا هو الخطأ الأوّل، وهو الأكثر سوءًا على الإطلاق في كلّ المعارف الإسلاميّة؛ لأنّه قد انطلى على الشيعة والسنّة معا، ولأنّه يمسّ الثقل الأكبر وهو القرآن الكريم, وأمّا الخطأ التاريخيّ الآخر فهو حمل القرآن بما يحمله من عظمةٍ وعمقٍ و وجوهٍ غير متناهيةٍ على منهجٍ تفسيريٍّ واحدٍ، وبأسلوبٍ تفسيريٍّ واحدٍ في الأعمّ الأغلب من المصنّفات التفسيريّة، وإنّه لخطأٌ لا يقلّ عن السابق في خطورته المعرفيّة؛ حيث النظر إلى ذلك الأفق الرحب غير المتناهي بعينٍ واحدةٍ ومن خلال ثقب إبرةٍ!
…يتبع…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى