قراءة في ديوان الشاعر محمد الجاسم سَبْرُ المقاصدِ والغايات في تفسيرِ (أغطية الكلمات)
رياض البغدادي
أتحفني الشاعر والأديب والإعلامي البارع الأستاذ محمد الجاسم بنسخة من ديوانه الرائع (أغطية الكلمات) الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد. ولقربي وصداقتي بالشاعر محمد الجاسم التي بدأت منذ عام 1002 أعلم جيداً مقدرته الأدبية وصوره الشعرية المميزة التي تفيض بها قصائده.
ولعلمي بحسه المرهف والعالم الروحي الذي تتضمنه كل قصيدة من قصائده التي إستمعت إليها، وهو يلقيها على مسامعي أثناء لقاءاتنا في مدينة دورتموند الألمانية، ترسخت لدي قناعة أن الشاعر محمد الجاسم لديه طريقة كتابية كالتي إنتشرت بين الشعراء في العراق في الثمانينيات والتسعينيات بسبب الضغوط السياسية التي مروا بها ايام حكم الطاغية صدام حسين، حيث إبتكروا طريقة للكتابة الباطنية إذ إنهم يكتبون القصيدة ويكون لها ظاهر وباطن، لا أعني أن المقصود من النص له ظاهر وباطن بل أن القصيدة نفسها لها معنيان وصورتان شعريتان تحتاج كل منهما الى شرحين، أحدهما الشرح الخاص بالصورة الشعرية الظاهرية التي تعرضها لنا الكلمات الظاهرة وشرح آخر للصورة الشعرية الباطنية والتي تخلقها لنا الكلمات نفسها، شرط أن تفك رموز القصيدة لتحصل على مفاتيحها ومن ثم يمكنك الولوج الى باطن القصيدة ورؤية صورها الخفية.
ان قضية تعدد الصور الشعرية في القصيدة الواحدة ليس بالأمر الجديد، فالعرب منذ القدم كانوا يتقنون هذا الفن الادبي ولهم أساليب كثيرة في رسم الصور المتعددة في القصيدة الواحدة، ومن تلك الأساليب إستخدام الألفاظ المشتركة او التركيز على الصفات المشتركة او تلغيم القصيدة ـ إنْ صحَّ التعبير ـ ببعض الكلمات التي لا يمكن الإنتباه إليها بسبب مواقعها المتباعدة في القصيدة، إذ تحتاج لإمكانية أدبية لجمعها وبيان إنعكاسات الصورة الباطنة التي أراد الشاعر تقديمها.
واحد من أهم شعراء قصيدة الصور المتعددة المتضادة هو الشاعر يوسف الصائغ- فهو وان كان من شعراء جيل السبعينيات- لكن ظاهرة الصورة الباطنة في شعره ظهرت جلية و واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار. ففي قصيدته (قمر في السماء) أظهر الشاعر جُلَّ معاناة الشارع العراقي تحت حكم الطاغية صدام حسين، ومن المفارقة أن تلك القصيدة نفسها اُلقيت على أنها في مدح الطاغية، فصورها الشعرية الظاهرة كانت تتحدث عن النظام بإيجابية، لكن القارئ الفَطِن -إن أمعن النظر في كلمات القصيدة- سيتوصل حتما الى صورة باطنية تتحدث بسلبية كاملة عن النظام الدكتاتوري ومعاناة الناس تحت حكمه الجائر. ففي قصيدة (قمر في السماء) يقول الصائغ:
تجيءُ القرابين
أعناقها المثقلات محملة بالنذور
تجيئين انت معي
أنت أمُّ المعارك
يتحدث هنا عن قرابين، وهم الزوار المتوجهون الى المراقد المقدسة بدلالة كلمة النذور، فالقربان هو المقتول في سبيل هدف معين وعلى الأغلب أنه هدف ديني. ويختم المقطوعة الشعرية بتصريح واضح أن الحضارة ليس محلها العراق اليوم، حيث صدام والبعث، فيقول:
روحي معلقة بالحضارة
وقلبي معلق بالعراق
فهو حيران بين نارين، فالتحضر والحضارة التي جزء مهم منها الحرية هي مطلب كل انسان بغض النظر عن امكاناته العلمية، ذلك لان الحرية حضارة وهي لاتحتاج لعلم كي نعرف اهميتها، والعراق الارض والانتماء معلق بالجانب العاطفي من شخصية الشاعر، لكنه في نهاية المطاف تحمَّل جروح قلبه وهاجر ليفوز بالحضارة التي خنقها النظام في العراق.
هناك الكثير من القصائد قالها شعراء التسعينيات من القرن الماضي التي كانت تتحدث بهذه اللغة المزدوجة لتنتج صوراً متعددة لا يمكن للحاذق في تذوق الشعر ان يعشو عن رؤيتها.
الان أحاول هنا ان أُسلِّط الضوء على صورة خفية في قصيدة الشاعر محمد الجاسم التي عنوانها (الى صديقٍ مُهَجَّر) أرجو ان اكون موفقاُ في الغوص بين أمواج هذه القصيدة الرائعة.
الى صديقٍ مُهَجَّر
حينما تقتفي النتائج اولياتك
وتتكوم أنت
على
صراط الذات
تستدير حولك الاتجاهات
بحنوِّ الأمهات
لتستطيلَ
وتُصبحَ
أفُقاً
لا يَلُمّكَ
حينما كنتَ صغيراً وغيرَ جميل
تدحرجت أمام قدميك
الآمال
وتنادت الشبابيك
وحامت
فوق فُرُشِ الباحات
أكوانٌ مبللة بالمحبة
أما طفلك
المهدَّب بأسباب الخيمة المهلهلة
يرنو الى العمود
ويتمتم
راح أبي
(حينما تقتفي النتائج اولياتك)
يسلك الشاعر في مطلع القصيدة نهج العرفاء والمتصوِّفة الذين يتكلمون بمنطق القطع لمّا انكشفت لهم من عالم الوجود أسرارُ النتائج والاوليات، وكأن الشاعر يقول لنا ان كل ما تفعله وما تقوله في (الاوليات) له نتائجه لا تنفك عنك بل وتقتفي اثرك.
(وتتكوّم أنت)
يتحدث الشاعر هنا عن النفس وليس عن الجسد وان كانت الكلمة (تتكوّم) هي من افعال الحركة والجسد، وقد اخترت هذا التفسير لان الشاعر كما قلنا اتخذ سبيل العرفاء في مطلع قصيدته، وكذا يزيد احتمال هذا التفسير ان بعد كلمة (تتكوّم) جاء مقطع (الذات)، وكلا المقطعين يشيران الى النفس والروح وعالم الضمير والسر مع ان احتمال (تتكوّم) الجسدي يبقى قائماً لما اعتدنا على مشاهدة الغريب فعله من التكوّر حال العزلة والإختلاء التي يعتادها المهاجر.
ولا بأس من الاستغراق اكثر في كلمة (تتكوّم)، فهي كلمة صادمة في القصيدة تعترض القارئ والمستمع كسد منيع يصعب تجاوزه من غير التوقف عنده ومن ثم الانتقال الى الابيات التالية من القصيدة. فكما هي عادة الجسد في القرفصاء والتكوُّر والتكوُّم عند الشعور بالضعف على مواجهة الحياة ومصاعبها كذلك النفس تصيبها حالة من الضعف والدونية والتصاغر والذوبان خجلاً وحياءاً من أولياتها والتفكر في نتائج تلك الأوليات التي أشار اليها مطلع القصيدة.
(على)
أفرد الشاعر متعمداً حرف الجر (على) بمقطع خاص ولم يلحقه بالمقطع الذي بعده برغم ارتباطهما العضوي بحيث لا يستقيم المعنى لغوياً به منفرداً، متعمداً في ظني لانه يريدنا ان نتوقف عنده لأهميته، فهو في نفس الشاعر ليس مجرد حرف جر بل هو كلمة تشير الى الاستعلاء والسيطرة والسمو على ما بعدها ذلك، لان المطلع يتكلم عن عالم الضمير المرتفع السامي الذي نصب الميزان وشرّع بالمحاسبة وصارت النتائج تتبع الاوليات من الممارسات والافعال وتقتفي اثرها.
فجاءت (على) لتقول أن كلمة (أنت) التى سبقتها ليست (أنت) التي تشير اليك، بل انها عالم آخر فيه كل الكمالات والعلو وكأن (أنت) هي نفسها (أنت) المضمرة في: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً). فالحسيب في الحقيقة هو الله الآمر بها، وجعلك انت الحسيب لإتمام الحجة عليك.
(تستدير حولك الإتجاهات)
بعد ان سما الشاعر وارتفع بـ(انت) الحسيبة جعلها هنا في مركز الدائرة وجعل الاتجاهات كلها متوجهة بالتساوي اليها، لانها اصبحت القاضي العادل الذي ينظر لكل الاتجاهات ببعد واحد تحقيقاً للعدالة وسمواً على ما يزيغ البصر فيحرفه عن تحقيق الصراط في الحكم.
(بحنوِّ الأمّهات)
لله در الشاعر كم هو دقيق في اختيار (الأمّهات) ليشير الى عطف الـ(أنت) الحسيبة التي تفيض حناناً وهي في قمة تسلطها وجبروتها، فالأم بالرغم من قسوتها عندما تحاسب على الأقل في نظر من تحاسبه من اولادها فهي تبقى تلك الأم التي تفيض حناناً وشفقة، تحكم بالعدل وقلبها يتفطر من قسوة حكمها.
(لتستطيلَ
وتُصبِحَ
أفقاً
لا يلمّك)
لتستطيل انت بعد ان اتممت الحساب واصدرت الاحكام وتجردت من كل ما علق بالنفس من اوليات افعالها اصبحت روحا عالية لا يشدها شيءٌ الى الضعف والذل والاستكانة والتكوم على الذات حياءاً، فأنت الان ارتفعت واستطلت بل واصبحت افقاً من الخيال. فالآن انت حاضر في كل الأماكن والاتجاهات لا يلمك شيء. هنا الشاعر اراد ان يؤكد مرة اخرى بكلمة (لا يلمّك) اشارة منه الى ان قصده في (تستطيل) هو ليس فقط الارتفاع طولاً وعلوّاً، بل والحضور في كل الاماكن كالغبار المنتشر الذي لا يلمه شيء.
(حينما كنتَ صغيراً وغيرَ جميل)
يتحدث الشاعر هنا عن صورة الكائن الذي (تقتفي النتائجُ أولياتِه) حينما كان صغيراً، الذي لم تكتمل اسباب جماله، هذا لأن الجمال في عرف شاعرنا هو صورة الكمال المطلق التي لا تشوبها شائبة من اسباب الدونية والسفلية، اللتين هما نقيضتا الاستطالة والارتفاع التي صار اليها بطل القصيدة، بحيث اصبح لا يلُمّهُ أُفُق، وهذا لم يكن ليتحقق ان لم يدخل في حساب الذات وتخليه عن اسباب عدم جماله ومن ثم كماله.
(تدحرجت امام قدميك
الآمال)
لم يكتفِ الشاعر بأن دحرج الآمالَ وجعلها غبية لا تعرف طريقها، بل ذكر انها تدحرجت امام قدميك، ذلك لان الانسان بطبعه لا يعطي كثيرَ اهميةٍ لحمل الآمال والعمل على تحقيقها بل يتكاسل، وفي كثير من الاحيان يدوس عليها ويتركها خلفه بسبب انشغاله بنزوةٍ او هوىً.
(وتنادت الشبابيك
وحامت
فوق فُرُشِ الباحات
أكوانٌ مبللةٌ بالمحبة)
يتكلم الشاعر في هذا المقطع عن التغير المكاني الذي يحدث في مسيرة الحياة واشار الى ذلك بتفرق الشبابيك اي البيوتات واستخدم لفظ الشبابيك لانها النقطة الاكثر ظهوراً في كل بناء. واما «حامت» اي اقترب او طارت قريباً منها او دارت حول مكان معين وهو لفظ واضح للكناية عن الارواح التي لا تنفك عن مخالطة الاحياء. ولفظ الاكوان ـ وهو مفرد كون ـ يعزز تصورنا للارواح التي تحوم حولنا ولا تنفك عن عالمنا، فالأكوان هي استحالة جوهر المادة الى جوهر اشرف منه ويقابله الفساد وهو استحالة جوهر الى ما هو دونه. والبلل والمحبة تؤكدان حالة السلم التي تتصف بها حركة الزمن بقرب الأكوان المبللة التي تحوم حولنا في كل حين.
الكون: عالم الوجود
الكونان: عالم الدنيا وعالم الاخرة
الأكوان: الدنيا والاخرة وما بينهما.
او هو جمع كون وهو ضد الفساد، فالكون هو استحالة الجوهر الى ما هو اشرف منه والفساد هو استحالة الجوهر الى ما هو ادنى منه.
(أما طفلك)
الطفل كواقعة خارجية هو نتاج أعمال الهوى في الغرف المظلمة، والهوى في اعراف المتصوِّفة والعرفاء من مصاديق الدونية والعالم السفلي، فإذا كان كذلك فهي اشارة من الشاعر الى ان الطفل واحدٌ من الاوليات التي تقتفي اثرها النتائج بغض النظر عن كونه اي (الطفل) نتاج الحلال او الحرام، فالصوفي لا يهمه كثيرا ذلك بقدر ما يهمه الدافع الحقيقي الذي كان نتاجه الطفل واعني الهوى والشهوة الحيوانية.
(المهدّب بأسباب الخيمة المهلهلة)
ربما يشير الشاعر هنا الى تعلق هذا الطفل (الهوى) ببطل القصيدة، ولا يريد ان يتركه وربما المقطع التالي يفسر هذا الامر أكثر وان كان برمزية اصعب.
(يرنو الى العمود)
يطيل النظر (يرنو) هذا الهوى (الطفل) الى العمود الذي تستند اليه الخيمة بكل اطرافها وهو العالم الممزق الخاص ببطل القصيدة تعلقاً به، فلا يريد ان يتركه بالرغم من ان عالمه الجديد الذي استطال به لا وجود للهوى بين جنباته الا ان الشاعر اراد ان لا يقطع الوصل بينهما لكي يبرهن في اخر القصيدة ان الذي بقي في مكانه هو الهوى، والراحل هو بطل القصيدة الذي استطال وليس عنده سبب لان ينظر الى ماضيه السفلي. فالأسفل مصطلح الطرد في اعراف المتصوِّفة.
(ويتمتمُ
راح أبي)
قطع الأمل وانتهى الرجاء وراح الـ(أنت) الى عالمه العلوي وبقي الهوى في مكانه يستميل آخرَ يدخل خيمته فيكون أباً له ليبدأ دوراً آخرَ لبطل آخر يمر بنفس الاوليات وينتهي الى نفس النتائج.



