صرخة الحق في وجه الإستبداد الأثيم والطغيان الغاشم الرسالة المثالية الخالدة في جهاد الإمام الحسين عليه السلام

للتاريخ في كربلاء جبين تعلوه غرة ساطعة، هي رمز نهضة الحسين(ع) وللكفاح سجل في صفحاته شعلة وضاءة هي ذكرى جهاد الحسين(ع) وللمثل العليا دروس قاسية تستوحي من مصرع الحسين(ع) وللانسانية الكاملة مبادئ عرفت اصولها بتضحية الحسين(ع),هذه السنين تتصرم والاعوام تدور وفيها تتقادم الاحداث حتى تعفو ويخلق الجديد ويبلى وتمحو الاثار وتتلاشى الذكريات,ولكنَّ اثراً واحداً مازال جديداً يفيض بالمعاني الجسام وحادثة مزيدة لا تأتي عليها الدهور والازمان ما برحت حية تختلج بالأسرار وتحفل بالجلائل من الأعمال في تاريخها المجيد، وتتقدم مع السنين نحو السمو والتألق والخلود، وتلك هي حاثة الطف وذكرى ابي الآباء وسيد الشهداء ابي عبد الله الحسين(ع)،وتعاودنا كل عام ذكريات مصرع الامام(ع) الحسين الشهيد فتجدد في نفوسنا آثار تلك الرسالة الحسينية السامية التي صرخت صرخة الحق في وجه الاستبداد الاثيم والطغيان الغاشم، فكانت صراعاً بين الحق والباطل، ما لبث بعدها الحق ان سما.. وقد زهق الباطل ان الباطل كان زهوقاً..!! فما اجلها من رسالة عرجت بالروح الى اوج الشهامة والعزة والاباء!!. لقد كانت رسالة الحسين(ع) جليلة القدر ظاهرة الغرض متسامية الكمال، غايتها توطيد دعائم المثالية المحمدية التي اخذت طريقها الى التدهور والاضمحلال وكادت تعصف بها الاهواء..!! كان ذلك حين تبوأ على عرش الخلافة الاسلامية يزيد بن معاوية، وسادت المبادئ السافلة وعوامل الرذيلة الطائشة الرعناء، وعم الفساد خلال تلك المدة، الحالكة من عهد الحكومة الجائرة القاسية، والخارجة على الحدود الاسلامية التي رسمها صاحب الشريعة الاعظم رسول الله(ص) فكان الوضع الاسلامي في حال من التضعضع يدعو الى مصلح يقوم اوده ويعيد الى الدين مجده، ويرد الى حظيرة الاسلام ذلك التراث الغالي والنظام الرصين. ومَن لهذا الامر غير الحسين …؟!! وهو ابن حامي الدين وسبط سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله) وهو الفرع الناظر لتلك الدوحة الهاشمية الطاهرة لقد رأى من واجبه ان يقوم بذلك الغرض الذي اقتصر عليه بعدّه حامي الشريعة وامام المسلمين، ولكنه علم ان النجاح يقضي بتضحية كبرى، تضحية تصبغ ارض الطف بدمه الزكي فيسطرها التاريخ مأساة محزنة باحرف من نور لتقرأ فيها الاجيال ابلغ الدروس واجل العظات لقد نهض الحسين(ع) مجاهداً في سبيل الله مستجيباً لاستغاثة الدين الحنيف. نهض بدافع عن الحق الذي ضاع وعن الدين حين وهن فقام ليضع تعاليم الرسول في نصابها والقرآن في مركزه ليبقى المسلمون يعيشون بتعاليم القرآن, تلك هي رسالة الحسين(ع) وذلك هو الغرض الأسمى الذي من اجله ضحى الحسين وناضل في سبيله ودفع بنفسه واهله وصحبه الى الموت تحت ظلال السيوف فاستشهد مجاهداً على تلك الصورة التي مزقت بين الهدى والضلال وباينت بين الكفر والايمان، لقد وضع الحسين(ع) بجهاده اسس المدرسة الجليلة للمبدأ بصورته الشاملة واقام بصبره وقوة ارادته ودعائمها الكاملة وشيّدها برسالته التي جاءت ظاهرة الغرض سامية المعنى فاعطى خير الدروس في التضحية التامة كان لها الاثر الفعال حين تقابل الحق والباطل للنـزال،فقتل الحسين في سبيل المثالية المحمدية وارخص نفسه لصيانة اسس ذلك الكيان الذي بشر به جده وشاد بناءه ابوه، فقاد حركة الجهاد بزعامته التقليدية واحيا بموته دنيا من السعادة ينعم بها المسلمون كاملة على الوجه الصحيح، فلم نر الانسانية في تاريخها حادثة كحادثة الحسين(ع) كانت التضحية فيها خالصة لوجه الله ولتحقيق الفكرة التي آمن القائم بها. لقد كانت تضحية مروعة لم يشهد تاريخ العالم مثلها في الفجيعة والرزء والجلال…!! تضحية بالغة حد الاباء والشمم حيث لم تقتصر على قتل الحسين(ع) وقتل انصاره وبنيه، بل امتدت الى التمثيل بهم والتشفي بحمل رؤوسهم على الأسنة وسبي الاطفال والنساء,تباً لتلك الفئة الطاغية التي عميت بصيرتها فاغفلت دينها وتابعت هواها، كيف استساغت محاصرة الحسين(ع) ابن بنت الرسول وانزلته صحراء كربلاء ليعطي اعطاء الذليل..!! كلا لقد خاب ظنهم وخسئت تلك النفوس الدنيئة فعمدوا الى منعه وحرمان نسائه واطفاله من ماء الفرات في ذلك الحر الهجير ليقضوا ظمئاً وعطشاً..!! ولقد استعذب الحسين تلك التضحية في سبيل مبدئه السامي الذي لولاه كان في هذا الكون من يذكر الشهادة او يدين بالاسلام فظل في ساحة الوغى يحمل من قوة الايمان ومضاء العزيمة ورباطة الجأش ما لا يخطر على بال انسان، وجاهد بقدم ثابتة وايمان راسخ قويم، حيث ايقن ان كل سيف سل في وجهه من سيوف بني امية معولاً يهدم في كيان الامويين وكل جرح في جسمه لغماً ينهار به ذلك الملك الذي قام على الزيغ والظلم والطغيان,فما اكبر تلك النفس الأبية نفس الحسين(ع) وما اعجب تلك البطولة الرائعة بطولة الحسين(ع)!! يشهد ابناءه واخوته وانصاره يتهاوون صرعى تمزقهم مواضي الاعداء ويسمع صراخ الاطفال وعويل النساء حين برح بهم الظمأ! ويرى نفسه وحيداً فريداً بين جموع الاعداء، فلا يفتر عزمه ولم يضعف له جنان. ذلك خطب – لعمري- لا يقوى عليه صبر، ورزء يعز الاحتمال عليه ولكن ارادة الحسين المصممة التي شاء ان يضحي بنفسه على تلك الصورة المحفوفة بظروف يتعذر على الفرد المخلوق ان يملك فيها الصبر او الهدوء، نعم اراد تلك الشهادة ليكون لها ابلغ الاثر فيما قصد اليه فسجل (عليه السلام) اعظم انتصار للمبدأ في نكران الذات، واعطى اعنف صورة للبطولة متمثلة في انسان، وابان اجلى مظهر لقوة الارادة في ميدان الجهاد..فكان في صبر الحسين(ع) ان عرفت الانسانية كيف تسمو بالمبادئ وتتحرر بالفكرة وادركت كيف تخلد الحياة بالموت,لقد تخرج من مدرسة الحسين(ع) نفر هم الصفوة من اهل الارض في ذلك الحين سمت انفسهم الى الافق الذي حلق فيه سيد الشهداء قائدهم فآمنوا بمبادئه وشغفوا بدعوته وتعشقوا الغاية التي انشدها، فخطبوا تلك المثل العليا وكان مهرها الموت فدفعوا بارواحهم للقائه باسمين واسرعوا اليه يتزعمون بنشيد الابدية والخلود..لقد عافوا الحياة الدنيا لما فيها من اوضار وادران، فاستاثروا بمصرعهم النبيل، واقدموا مع الحسين يحمل كل منهم اكبر نفس للجهاد واوسع قلب للقاء الحمام، تتمثل في شخصياتهم اسمى روح تعالت عن مادية الجسد وازدانت بالايثار والغيرة تغلغلت العقيدة السامية في انطباعاتهم واشرب في قلوبهم حب الايمان فاستبشروه بالآخرة واستشعروا بالخلود وحاربوا ائمة الكفر بتلك الروح المستبسلة ودافعوا عن ريحانة الرسول بتلك الفكرة الواضحة، فكانوا يزدادون مضاءاً واندفاعاً وتعلو وجوههم ابتسامات الفوز والنجاح كلما امعن الاعداء في الهجوم واشتدت وطأة القتال..فسجل ذلك العدد القليل من الرجال انصع صفحات التاريخ في واقعة الطفوف. وكانت جولتهم تلك الجولة الخالدة والدور الذي مثله على مسرح كربلاء اولئك الانصار الموقنون بقدسية الايمان رائعة من روائع سير الابطال المخلدين فلم تزل حادثة الطفوف يوم العاشر من المحرم من الحوادث الحية تخلق الوعي في الحياة الانسانية كل عام.



