اراءالنسخة الرقمية

احتمالات المواجهة مع واشنطن وأين ستكون موسكو ؟

سمير الفزاع
عموماً، في حالة الأزمة وفقدان اليقين تظهر الأسئلة الوجودية، وقد يتم طرحها مجدداً على الرغم من تجاوز الأحداث لها، وتقديم الوقائع الإجابات العملية عنها… خصوصاً مع اقتراب الأزمة من النهايات، حيث الحرب النفسية القاسية، واحتمالات الاصطدام الكبيرة، والاحتكاكات التي قد تفضي إلى تفجر شامل للصراع. ما هو مصير التحالف السوري-الروسي بعد تزايد فرص المواجهة مع المشروع الأمريكي، وأدواته في شمال شرق سورية، خصوصاً قوات سورية الديمقراطية ؟. لكي تكون الإجابة منطقية أكثر، من الضروري الإجابة عن السؤال المركزي التالي: لماذا اتخذت روسيا قرار الانضمام إلى سوريا في محاربة المشروع الصهيو- أمريكي ؟… ومن هنا ستكون البداية.
حرب بلا خيارات
قد تجد الشعوب نفسها مجبرة على الدفاع عن ذاتها، وعن وطنها ومجالها الحيوي، لأن العدو لم يترك لها من خيارات سوى المواجهة أو الإستسلام. روسيا، ومنذ بداية الحرب على سورية، كانت تساورها حالة من الشك بخصوص ما يجري في سورية، لذلك كانت مواقفها مترددة ومتأرجحة … ظهر ذلك جلياً في مؤتمر جنيف-1 سياسياً، وتجميدها لعدد من الصفقات التسليحية مع سورية، عسكريّاً، وفتور الاتصالات الثنائية، دبلوماسيّاً… لكن تكشف المشهد وخريطة الصراع في سورية، وصمود الدولة بعناصرها، وانفضاح الأهداف الجيوسياسية للحرب على سورية… وصولاً إلى صدمة موسكو بالهجوم الغربي «الناعم والملون» الذي أطاح بالرئيس الأوكراني عام 2014. لقد حسم هذا الهجوم جدلاً روسيّاً داخليّاً أستمر لمدة طويلة حول معادلة سياسية ضبطت حركة موسكو في قضايا الإقليم والعالم: أيهما أجدى، الرهان على علاقات شراكة متميزة مع واشنطن لتحقيق مصالحنا، وحفظ نفوذنا أم الدخول في مواجهة «باردة» مع واشنطن لتحقيق مصالحنا وحفظ نفوذنا بالاعتماد على شركاء محليين وإقليميين ؟. لقد حُسم النقاش لصالح الحفاظ على المصالح والنفوذ بالتفاهم مع واشنطن إن أمكن، وبالاستناد إلى القدرات الذاتية والتحالفات الإقليمية والدولية إن لم يكن ذلك متاحاً.
هذا التحول السياسي في النظرة إلى بيئة موسكو الدوليّة والإقليمية دفعها لوضع قراءة جديدة لأمنها القومي، يتحدث عنها الرئيس بوتين سنويّاً، في لقاءاته مع أركان الأمن القومي، واجتماعاته بالسفراء الروس للعالم، وقادة القطاعات العسكرية، والذكرى السنوية للنصر في الحرب الشعبية… وحتى لا أتشعب في الموضوع، سأركز على بعض مكونات الأمن القومي فيما يخص الحرب على سورية، وهي تصلح بكل تأكيد لغيرها من القضايا إلى حدّ بعيد.
مفاتيح الأمن القومي الروسي في سوريا
قبل نشر موسكو لقواتها الجو-فضائيّة في قاعدة حميميم، أجابت على أسئلة حاسمة لرسم إستراتيجيتها العسكرية في سوريا، ومنها:
1- من هو العدو المركزي وحلفاؤه وأدواته في إدارة الصراع ؟. العدو الرئيس: المنافس الدولي، أمريكا… حلفاء العدو الرئيس في الإقليم: تركيا، السعودية، قطر، «إسرائيل»، الأردن… أدوات العدو الرئيس والحلفاء الإقليميون في الصراع العسكري: الجماعات الإرهابية، وتشكيلات الثورة الملونة.
2- من هو الحليف المركزي، وشركاء هذا الحليف، وأدواتهم في مواجهة الحرب ؟. الحليف الرئيس: سورية، شركاء الحليف في الإقليم: إيران، ومنظومة واسعة من المقاومات الشعبية المسلحة… أدواتهم في الصراع: مواجهة العدوان على سوريا بقدراتهم الذاتية، وتعزيز قدرات المقاومات الشعبية، ورفع كلف المواجهة وتوسيعها إن لزم الأمر.
3- الهدف من التدخل الروسي: بصراحة، لقد تدحرج الهدف الروسي وتطور من مرحلة إلى أخرى، شجعه على ذلك صمود سورية وحلفائها، والإنجازات الميدانية المتتالية، وتصدع صفوف حلف الحرب على سورية… حيث تطور، من تشكيل مجلس حكم ذي مصداقية، إلى رفض التدخل الخارجي لتغيير أنظمة الحكم، ومن عبارة «شركائنا» في واشنطن إلى مقولة «لن تمر عرقلة واشنطن لجهودنا في محاربة الإرهاب دون عقاب»، ومن جملة، «نحن لا ندافع عن أحد في سورية» إلى خلاصة: «إن شكل العالم يتوقف على الشكل الذي تنتهي عليه الأزمة في سورية…».
4- مستوى التدخل: منذ أن بدأت الطائرات الروسية بقصف أدوات الغزو الإرهابي في 30/9/2015 أعتقد بأن موسكو كانت قد حسمت موضوع مستوى تدخلها في سورية، لأن مثل هذا الأمر لا يمكن تركه للصدفة أو مجريات الأحداث… ومستوى التدخل يتضمن عدد القوات وعديدها، ونقاط انتشارها الحالية والمستقبلية، واحتمال الاشتباك مع العدو الرئيس أو مع حلفائه أو كليهما، وحدود هذا الاشتباك وما يحتاجه من عناصر القوة… من هنا، يكون الجواب الروسي واضحاً على سؤال أحد موظفي البنتاغون الكبار عندما قال لماذا تنشر روسيا منظومات أس-400 وأس-300 في سورية، وكلنا يعرف أن داعش لا تمتلك سلاح جو . وأوضح من عبر عن مسألة «مستوى التدخل» كان السيد حسن نصر الله، عندما قال: لو تطلب الأمر بأن أذهب أنا وكل إخواني في حزب الله إلى سورية، سنفعل.
5- مستقبل المواجهة: على الرغم من أن توصيف هذا «الحقل» سيكون أمراً في غاية التعقيد، إلا أن هناك مؤشرات يمكن الاستدلال منها على مستقبل المواجهة: كإنهاء عصر الأحادية القطبية، وطيّ صفحة احتكار واشنطن لسوق النفط والغاز، وهيمنة الدولار على التعاملات المالية الدولية، واستعادة موسكو لصورة الحليف القوي والموثوق… لذلك، أعتقد بأن روسيا ستعمل بكل قوتها على أن تحقق سورية نصراً كاملاً على أدوات الغزو الإرهابية، وإجهاض كل مساعي واشنطن وحلفائها في اقتطاع جزء من سورية أو تقسيمها تحت أي مسمى… بل، وستساعد سورية على استرجاع موقعها الإقليمي، وربما ما هو أبعد من ذلك، خصوصاً مع اندحار مشروع واشنطن، وتزايد النُذر لحرب – قد لا يطول انتظارها- مع الكيان الصهيوني، تنهي ذيول الوجود الأطلسي في المشرق العربي تماماً.
سوريا لن تكون وحيدة
عندما وصل وزير الدفاع الروسي إلى دمشق في 12/9/2017، كان واضحاً بأن هناك تطورات ميدانية وسياسية مهمّة في طور التشكل، وأن هناك مستوى جديدا من الصراع مع واشنطن وأدواتها سيسم الميدان، خصوصاً بعد القضاء على 87% من الوجود الداعشي في سورية، والاستعداد «لوثبة أسد» جديدة شمال الفرات. وعندما نسأل، ماذا تبقى لواشنطن من أدوات ميدانية ؟ سيكون الجواب المباشر، الانفصاليون الأكراد وتنظيم القاعدة.
على الرغم من النفي اللاحق، عملت واشنطن والميليشيات الكردية على عرقلة انتقال الجيش العربي السوري وحلفائه إلى الضفة الشمالية-الشرقية لنهر الفرات، وحصار القوات التي وصلت إلى هناك بالفعل، وقد فصّل بيان وزارة الدفاع الروسية في 19/9/2017 هذه الوقائع: «خلال اليوم كان وضع المياه في نهر الفرات معقدا إلى حد كبير، وبمجرد أن بدأت القوات السورية عبور النهر، وفي ساعات قليلة ارتفع منسوب المياه في النهر، وزادت سرعة التيار لمرتين أي إلى 2م/ث. وفي غياب هطول الأمطار، يمكن تفسير ذلك فقط بضخ المياه من السدود التي تسيطر عليها المعارضة، والتي يقودها التحالف الدولي… بالإضافة إلى ذلك ، فإن التقارير المقدمة من القادة السوريين على الجبهة، فان الهجوم الأخطر والنيران الثقيلة على القوات السورية يجري توثيقها من جهة الشمال، حيث توجد «قوات سورية الديمقراطية»، ووحدات العمليات الخاصة الأمريكية… الأمر لا يحتاج إلى خبرة عسكرية لمعرفة أن كل هذا ليس مجرد مصادفة».
لم يقف الأمر عند هذا الحد، في 20/9/2017، أعلن رئيس إدارة العمليات بهيأة الأركان الروسية الفريق أول سيرغي رودسكوي:«قام مسلحو جبهة النصرة والفصائل المسلحة الموالية لها… بهجوم واسع على مواقع الجيش العربي السوري شمال شرق مدينة حماة في منطقة خفض التوتر بإدلب… وفقاً للمعلومات الواردة، جهزت المؤسسات الأمنية الأميركية هذا الهجوم لوقف التقدم الناجح للجيش العربي السوري شرق مدينة دير الزور، ومحاولة لأسر قوة الشرطة العسكرية الروسية المكونة من «29» شخصاً…». في 21/9/2017، أعلنت وزارة الدفاع الروسية بأنه تم إبلاغ ممثل قيادة القوات الأمريكية في قطر، بلهجة حازمة وحاسمة، بوجوب وقف جميع محاولات قصف مواقع الجيش العربي السوري من المناطق التي توجد فيها القوات الأمريكية الخاصة إلى جانب «قوات سوريا الديمقراطية» شرق نهر الفرات.
ختاماً، من يرى التقدم الهائل للجيش العربي السوري وحلفائه غرب الفرات وجنوبه، والتدفق المتسارع لسفن الشحن الروسية تجاه السواحل السورية، ونشر منظومات الدفاع الجوي أس-350 في حماه، وأرتال الدبابات التي أعلن عن شحنها إلى سورية، والجسور العائمة الحديثة التي نقلت على عجل عبر الطائرات الروسية العملاقة إلى حميميم، وظهور طائرات الميغ-29 المحدثة في المطارات السورية… ويتذكر، كيف حولنا حلم واشنطن في التنف إلى كابوس، يدرك بأن سوريا ماضية حتى آخر شبر من أراضيها مهمّا كلف الأمر، وأنها «ستعبر» وحلفائها النهر؛ بل وحتى بعض من ألدّ أعدائها، لوأد أية محاولة لتقسيمها. الإستقواء بواشنطن وتل أبيب، والاستفتاء على الفدرالية في لحظة الهجوم على الوطن، واحتلال حقول النفط والغاز… لن تحمي الوجود الأمريكي، ولن تفرض الفدرالية على سورية؛ بل ستعجل في تحالف لا تتمنوا رؤيته، ومواجهة لا طاقة لسيدكم بها؛ ألم تسمعوهم وهم يهيئون أنفسهم والعالم: «اللعبة انتهت».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى