هل نجحت أمريكا في حربها الناعمة على العراق ؟


الجزء الثاني
محمود الهاشمي
– تحطيم صور الرموز التاريخية والمعاصرة في ذهن المواطن العراقي , عبر ايجاد وسائل اعلام وقنوات فضائية تنال من جميع الشخوص التاريخية للعراق , وتعمد الى الطعن بهم عبر سلسلة من الاكاذيب والافتراءات , حتى لا يكونوا مبعثا للثقة بالنفس ومصدرا للتحولات الثورية . وهيئوا لذلك وسائل اعلام متناقضة الافكار والآراء , ليشكلوا هوسا في ذهن المواطنين. وليخلقوا أجواء من التوتر والخصومة بين جميع القوميات والأديان والطوائف في العراق , ثمّ عرضت امريكا نفسها بأنها المنقذ لكل منها , فقد تعرض المسيحيون عبر عملاء امريكا الى سلسلة طويلة من الاعتداءات والتهجير والقتل , ثم تعرض الايزيديون والصابئة والشيعة والسنة ليجدوا انفسهم في خطر ولا ملاذ سوى الحضن الاميركي .
– عملوا على إرباك العملية السياسية في العراق وخلقوا اجواء من الصراع بين أجنحته السياسية ورجالاته حتى بدا المشهد السياسي في العراق منهكا خائر القوى وليس بالأفق من حلول , أمام حيرة المواطن ماذا ينتخب ولمن سيختار , لتقدم نفسها الولايات المتحدة كبديل لكل هذه المسميات وتطرح الحلول .
– بعد جلاء القوات الاميركية من العراق عام 2011م وازدياد عدد القوات العراقية في العدد والعدة والتسليح والشعور بعدم الحاجة الى قوات اجنبية , عمدت امريكا منذ يوم جلاء قواتها , وحتى تموز من عام 2014م الى صناعة تنظيم ارهابي (داعش) ووفرت له كل الظروف من الدعم والتسليح والتمويل, وصناعة بيئة في المناطق (السنية) للشعور بـ (التهميش) والإقصاء عبر الاعلام وعبر مجموعة من السياسيين ورجال الدين ليرتقوا المنصات ويحشدوا الناس ليجد الارهاب الطريق سالكا لاحتلال ثلث أرض العراق , وإضعاف المؤسسة العسكرية وفقدان الثقة بها بأنها غير قادرة على حماية البلد , ثم في غمرة انشغال البلد بالإرهاب ومعالجة تأثيره وترتيب المؤسسة العسكرية , أعادت أمريكا قواتها بشكل (ناعم) تحت ذريعة (التدريب والاستشارة) لتخطط لزيادة قواتها التي تجاوزت الستة آلاف والى انشاء خمس قواعد في المناطق الغربية من البلد .
– استفادت امريكا من الفوضى الاعلامية في العراق بعد 2003م فأنشأت وكالات وإذاعات وقنوات فضائية ممولة من قبلها , لتدعم كل توجهاتها في التأثير على الرأي العام , والتوافق مع مشروعها في (الحرب الناعمة).
– عملت امريكا على خلق زعامات دينية جديدة لا تملك مواصفات الزعامة الدينية المعهودة في الثقافة والعلوم وسخرتها للنيل من الزعامات (الرموز) سواء من الحوزة العلمية أو أية مؤسسة دينية اخرى لإضعاف تأثير هذه الزعامات على الشارع العراقي .
– استطاعت أمريكا عبر الطرق (الهادئة) على معدن الزعامات السياسية الشيعية أن تزرع الفتنة فيما بينها , وان تصنع لها خلافات ومشاكل , ودفعت بها الى الابتعاد عن دائرة المشتركات الى مواقع الخلاف والنفرة , وبذا وفرت امريكا لنفسها فرصة الولوج بينها والظهور امامها بأنها الراعية للجميع . ومثلما عملت مع الزعامات الشيعية عملت مع السنية واستطاعت ان تحدث الخرق ذاته.
– ضغطت امريكا كثيرا في عدم منح الفرصة للنخب المثقفة والعلماء والمفكرين وذوي الخبرة والأكاديميين ان يشاركوا في بناء بلدهم وصناعة الرأي بل سادهم التهميش والإقصاء المتعمد وباتوا يحسون بالغربة والألم داخل بلدهم وهم يرون أنفسهم عاجزين في ايجاد الحلول .
– عندما هاجمت التنظيمات الارهابية (داعش) العراق وأوشكت العاصمة بغداد ان تسقط بيد الارهابيين , كانت ردود الفعل غير محسوبة لدى الاميركان أن يواجه الارهاب بالفتوى الدينية للمرجعية الرشيدة , وكيف استطاعت ان تستنفر الالاف للتطوع ومواجهة الارهاب والانتصار عليه , بعد ان تكون السفارة الاميركية قد باشرت بنقل أكثر من ألف ونصف موظف من منتسبيها , لذا صعدت من (حربها الناعمة) أولا للتخلص من المتطوعين (الحشد الشعبي) عبر الصاق التهم اليهم وعبر الضغط على الحكومة في ضمهم وتوزيعهم على صنوف الجيش على وفق معايير التطوع العام للقوات الامنية , لغرض فقدانهم قوة التأثير الديني المباشر , والاستغناء عن العدد الاكبر منهم . وثانيا ستعمل على اضعاف المؤسسة الدينية عبر استقدام رجال دين متطوعين للنيل من المراجع الدينية وقد باشرت بذلك .
– أفراغ الامة من ارثها الديني والمعنوي والإنساني وذلك بتوظيف الارهابيين الذين انتجتهم معسكرات (بوكا وكروكر) الاميركية , في تهديم وتفجير المراقد المقدسة مثل تفجير الامامين العسكريين عام 2006م وباقي المراقد الدينية التي وصل عددها الى نحو 200 مزار ومعبد وكنيسة ومقام وكذلك تفجير وتهديم الاثار الحضارية حتى لا تكون محفزا لثقة الانسان بنفسه وتاريخه فيما تعرض كل اعمال التفجير والتهديم بأفلام مصورة ليرى المواطن العراقي بام عينه كيف يتم هدمها وتفجيرها فيصاب بالإحباط .
– جعل الاميركان قضية (اقليم كردستان) وسيلة للضغط الدائم على أي محاولة للتغيير في بغداد , وحفزوا شخصيات في الاقليم مثل (مسعود بارزاني) للتمرد الدائم على الحكومة الاتحادية , والدفع باتجاه الاستقلال مما شكل قلقا دائما للحياة بشكل عام لدى الانسان العراقي سواء في الاقليم أو خارجه في رؤية ضبابية لمستقبل بلده. – حملوا العراق ديونا ثقيلة سواء صندوق النقد الدولي أو عبر الدول الاخرى ليجد البلد نفسه غارقا فيها عاجزا عن سدادها فتفرض عليه شروطهم صعبة التطبيق .- حثوا المنظمات الدولية والمعاهد العالمية على وضع العراق في تصانيف سيئة كأن يكون الاول في الفساد الاداري والمالي وبغداد الاسوأ بين عواصم العالم… الخ. لتركيز الاحباط والفشل في نفوس الشعب العراقي وكره وطنه وأرضه .
– تسفيه مبادئ القبيلة والنيل من زعمائها عبر سلسلة من الزيارات (المخطط لها) والهوسات المعهودة لشخصيات سيئة الصيت حتى يفقد الانسان العراقي والعربي ثقته بزعمائه وتأثيرهم الإيجابي عليه وفقا للمعطيات التي اوردناها عن الحرب الامريكية الناعمة على العراق , يكون الانسان العراقي أمام اختبار صعب في مواجهة هذه الحرب , بعد أن يكتشف اهدافها ومخاطرها , وأن يعد نفسه بما يمتلك من مقومات النهوض والمنعة في مواجهة هذه التحديات والحروب , ليضع نفسه أمام مسؤولية كبيرة , ,بان لا يستسلم بقدر الاستفادة من جذوة النصر على الارهاب لصناعة مستقبل أبهى يليق به وبتاريخه .



