اخر الأخبار

الآداب المعنوية العامة للصلاة

في سورة المؤمنون المباركة قُرن الفلاح بعدّة أمورٍ أهمّها الصلاة، التي تبدأ السورة بذكرها أولاً، ثم وبعد ذكر تسع صفاتٍ أساسية للمؤمنين تعود إليها مجدداً ولكن هذه المرة بلحنٍ آخر أشدّ تأكيداً على أهمية هذه الفريضة لما تمتلكه من خصوصيات لا نجدها في غيرها من الفرائض والأحكام. ﴿ قَد أَفلَحَ ٱلمُؤمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُم فِي صَلَاتِهِم خَٰشِعُونَ﴾ إلى قوله تعالى ﴿ وَٱلَّذِينَ هُم عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِم يُحَافِظُونَ ﴾..يقول العلامة الطباطبائي في تفسيره: «قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُم عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِم يُحَافِظُونَ﴾ المراد بالمحافظة على الصلاة رعاية صفات كمالها على ما ندب إليه الشرع». فالمحافظة على الصلاة تبدأ من رعاية شروطها وآدابها الظاهرة منها والباطنة,والملفت في هذه السورة المباركة أنها ذكرت أن الصفة الأولى للمؤمن الحقيقي هي الخشوع في الصلاة، وآخرها المحافظة عليها، فالبدء كان بالصلاة وبها كان الانتهاء، لأنّ الصلاة أهمّ رابطة بين الخالق والمخلوق، وخير وقايةٍ من الذنوب,»والخلاصة، إنّ الصلاة إن أقيمت على وفق آدابها اللازمة، أصبحت أرضية أمينة لأعمال الخير جميعاً. وجديرٌ بالذكر أنّ الآيتين الأولى والأخيرة تضمّنت كلّ واحدة منها موضوعاً يختلف عن الآخر، فالآية الأولى تضمّنت الصلاة بصورةٍ مفردة، والأخيرة بصورة جماعية. الأولى تضمّنت الخشوع والتوجّه الباطني إلى الله. هذا الخشوع الذي يعدّ جوهر الصلاة، لأنّ له تأثيراً في جميع أعضاء جسم الإنسان، والآية الأخيرة أشارت إلى آداب وشروط صحّة الصلاة من حيث الزمان والمكان والعدد، فأوضحت للمؤمنين الحقيقيين ضرورة مراعاة هذه الآداب والشروط في صلاتهم».
إن للإنسان جسداً وروحاً وقلباً، ولكلٍّ منها غذاؤه المناسب لينمو ويتكامل بشكلٍ صحيحٍ، فللجسد غذاءٌ مادّيٌّ لا يمكن أن ينمو من دونه، ولهذا الغذاء مواصفاتٌ وشروطٌ من الجودة والسلامة لا بدّ منها، كما لا بدّ من خلوّه من كل ما ينافي صحّة الجسد وإلا غدا ضعيفاً معتلّاً لا بدّ من علاجه.
وكذلك للروح والقلب غذاؤهما المناسب لكي يكونا في عافيةٍ وصحّةٍ وسلامةٍ. وغذاء الروح والقلب هو العلوم والمعارف الإلهية والفضائل الأخلاقية والعبادات الشرعية، فبها يتكامل الإنسان ويترقّى في مدارج الرقيّ ومن دونها لا ينال أيّ كمالٍ ممكنٍ.
أحد أهم آداب العبادات ومنها عبادة الصلاة، بل هو أدبٌ لازمٌ لرحلة الإنسان المعنوية بأسرها فلا يستقيم سيرٌ أو سلوكٌ من دونه، هو أدب التوجّه إلى عزّ الربوبية وذلّ العبودية. فما هو هذا الأدب وما سبب أهمّيته؟ يمكن اختصار حقيقة هذا الأدب بعبارةٍ بسيطةٍ، وهي أن يدرك الإنسان عظمة الله وكبريائه وجبروته، وفي مقابل ذلك يدرك ذلّته وفقره وحاجته ومسكنته أمام عزّة الله وغناه.
لهذا التوجّه والإدراك أهمّيته القصوى في حركة الإنسان المعنوية بحيث يمكننا القول بأن إنسانية الإنسان تقاس بمقدار قوّة هذا الإدراك. فإن كانت حركة الإنسان المعنوية تسير باتجاه تحقّق إنسانية الإنسان مقتدياً بالإنسان الكامل، فإن هذه الحركة تكون صحيحةً وموصلةً إلى الهدف المنشود وهو الكمال الإنساني. وهذه الحركة إنما تتحقق بقدر امتلاك الإنسان لهذا الإدراك ووعيه له وتجلّيه فيه.
فجهاد النفس ورياضتها لا تنجح ولا تؤتي أكلها إذا لم يعرف الإنسان نفسه ويقدّرها التقدير الواقعي، ويدرك مدى ذلّها أمام ربّ العالمين الغني العزيز الذي يتّصف بجميع الصفات الكمالية.
وكلّما كانت النفس مرتفعةً متكبّرةً، و أدام الإنسان النظر إليها، كان الشعور بعزّة الله وغناه وعظمته ناقصاً بل وقد يختفي هذا الشعور تماماً في بعض الحالات كما كانت حالة فرعون الذي أخذته العزّة بالإثم فقال ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ ٱلأَعلىٰ ﴾ والعياذ بالله.
من أجل تحصيل الخشوع في العبادات ولا سيّما في الصلاة لا بدّ للعابد من سلوك طريق العلم والإيمان، فإن كان الخشوع ناتجاً عن إدراك عظمة العظيم المطلق وهيمنة هذه العظمة على قلب الإنسان سواء كان قلبه عشقيّاً أم خوفيّاً، فإن إدراك هذه العظمة لمن هم أمثالنا يتأتّى عن طريق العلم بها وإيصال هذا العلم إلى القلب لتحقيق الإيمان بها.
ومع أننا نصلّي كلّ يومٍ خمس مرات ومنذ سنين عديدةٍ من عمرنا، إلّا أننا لم نستشعر الخشوع في صلاتنا رغم أن الله تعالى يقول في كتابه المجيد مادحاً المؤمنين: ﴿ قَد أَفلَحَ ٱلمُؤمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُم صَلَاتِهِم خَٰشِعُونَ ﴾ فجعل الخشوع في الصلاة من حدود الإيمان وعلائمه. فمن لم يكن خاشعاً في الصلاة فهو خارج زمرة أهل الإيمان طبقاً لما قاله ذات الحق المقدس تعالى شأنه.
وعن إمامنا الصادق عليه السلام أنه قال «إِذَا كُنْتَ دَخَلْتَ فِي صَلَاتِكَ فَعَلَيْكَ بِالتَّخَشُّعِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى صَلَاتِكَ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ ﴿ ٱلَّذِينَ هُم فِي صَلَاتِهِم خَٰشِعُونَ ﴾«.وبما أن صلواتنا ليست مشفوعةً بالخشوع، فإن ذلك ناجمٌ إمّا من نقصٍ في إيماننا أو فقدانه. فالعلم بالله وأسمائه وصفاته وسائر المعارف الإلهية الظاهر منا، مغايرٌ لواقع إيماننا.من هنا نستنتج أنه لتحصيل الخشوع في الصلاة ينبغي لنا أن نعمل على تحقيق الإيمان في ما نعتقد به عقلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى