اخر الأخبار

في ذكرى شهادة الإمام محمد بن على الجواد(ع)

الإمام الجواد عليه السلام عاصرته مدة حافلة بالحوادث والظروف السياسية في مرحلة الصراع وتوتر العلاقات في الخلافة العباسية بين الامين والمأمون,ولم تکن الحوادث السياسية، وظروف الصراع لتنتهي دون ان تنعکس آثارها في حياة الإمام الرضا، وبالتالي علی حياة الإمام الجواد عليهما السلام، فلقد توجه نظر المامون الی الرضا عليه السلام واستدعاه الی عاصمة خلافته «مرو» فاضطر الامام الی القبول بعد رفض وامتناع,وقبل ان يتوجه الإمام الرضا عليه السلام الی مرو اصطحب معه ولده الجواد وانطلق من المدينة الی مکة ليزور البيت الحرام ويودعه لانه کان يعلم بانه لا رجعة له بعد هذه ابدا,لقد طاف الإمام علي الرضا (ع) حول البيت طواف الوداع، وطاف معه ولده الجواد الذي کان عمره الشريف نحو اربع سنوات يحمله الخادم علی کتفه لصغر سنه,و احس الجواد عليه السلام بقلبه الکبير وروحه اليقظ لوعة الفراق، ومرارة البعد عن ابيه، وادرك ان اللقاء هو الاخير بعد اليوم بينهما ، لذا اطال الوقوف عند الحجر متعلقا به يلم به غم فراق والده وامامه، وقد شق عليه ان يعود وحيدا الی المدينة ويفارق اباه الذي قرأ في رسالة وداعه للبيت الحرام انه لن يعود,إنتهت لحظات الوداع وحانت ساعة الفراق ويا لها من ساعة .. وعاد الإمام الصبي الی المدينة يحمل اشواق الحب وتوجه ابوه الی «مرو» وقلبه يتلفت نحو المدينة ويتابع رکب الجواد الحبيب والالم يعتصر قلبه الکبير,وصل الامام الرضا عليه السلام «مرو» وحل في عاصمة الخلافة العباسية يومذاك وقلبه متعلق بولده الجواد وامل الامة من بعده، ومن هناك راح يراسله ويخاطبه ويواصل الاهتمام به واسداء النصيحة والارشاد له. وقد ذکر المؤرخون ان الرضا عليه السلام کان يخاطب ابنه الجواد -وهو يکاتبه- بالتعظيم والاجلال ويکنيه بابي جعفر,أحاطت بمدة انتقال الامامة الی الامام الجواد عليه السلام مشکلة خطيرة، فقد اثير الجدل حول شخصية الامام، بسبب صغر سنه وعدم بلوغه يوم توفي ابوه، وقد سلجت لنا کتب التاريخ جانبا من تلك المناظرات حول شخصية الامام الجواد عليه السلام واهليته في هذه السن للامامة,وبعد مناظرات عدة اقر العلماء والفقهاء بالامام رغم صغر سنه ليستمر في مواصلة خط آبائه ومسيرته الرسالية ويتحمل اعباء الامامة العلمية والسياسية,وساهم الامام الجواد عليه السلام طيلة مدة امامته التي دامت نحو سبعة عشر عاما في إغناء مدرسة اهل البيت العلمية وحفظ تراثها والتي امتازت في تلك المرحلة بالاعتماد علی النص والرواية عن رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم وعلی الفهم والاستنباط من الکتاب والسنة بالاضافة الی اهتمامها بالعلوم والمعارف العقلية التي ساهم الائمة وتلامذتهم في انمائها واثرائها وتوسيع مداراتها حتی غدت صرحا شامخا وحصنا منيعا للفکر الاسلامي وللشريعة الاسلامية,ولقد إعتمد الإمام الجواد (ع) مثل ابائه في منهجه العلمي علی عدة اساليب منها:-
• اسلوب التدريس وتعليم التلاميذ والعلماء وحثهم علی الکتابة والتدوين وحفظ ما يصدر عن ائمة اهل البيت عليهم السلام وامرهم بالتاليف والتصنيف.
• اسلوب تعيين الوکلاء ونشرهم في انحاء مختلفة من العالم الاسلامي ليکونوا دعاة الی الاسلام والعمل به وتبليغ احکامه.
• اسلوب المناظرة والحوار العلمي.
هذا وامتازت المدة السياسية التي عاشها الامام الجواد عليه السلام -وهي زمان الخليفتين العباسيين المامون والمعتصم- بانها مدة خف فيها بحسب الظاهر الاضطهاد والارهاب نسبة الی المدد السابقة وان کان الخط العام للسياسة العباسية امتدادا لما سبق، ولکن هذه السياسة لم تستمر طويلا وسرعان ما لجأ الحکام العباسيون الی اذی اهل البيت عليهم السلام والتضييق عليهم,ورغم کل هذا فان التاريخ يؤکد لنا من خلال استقراء الوثائق السياسية التي صدرت عن الامام الجواد عليه السلام (الرسائل والاحاديث) والمواقف التي صدرت من السلطة العباسية تجاه الامام ودراستها نستطيع ان ندرك ان الامام کان يمارس نشاطه في الخفاء وکان له مقام قيادي عميق الاثر في وجدان الامة و وعيها,ولذلك نجد المأمون يستقدم الامام الجواد عليه السلام من المدينة سنه (211 )ه ويقوم بتزويجه من ابنته ام الفضل ويدخل في نزاع مع اعمامه بني العباس بسبب ذلك التزويج، في محاولة منه لاستيعاب موقف الامام الجواد عليه السلام وضمه الی حاشيته واحتواء حرکته الجماهيرية في المجالين الفکري والسياسي.,ولكن الامام عليه السلام کان علی العکس من ذلك، يرفض البقاء في بغداد ليکون بعيدا عن حصار السلطة ومراقبتها ويعود الی المدينة المنورة ليسقط الخطة ويحقق الاهداف المرتبطة به اماماً للامة ورائداً من رواد الشريعة,وبعد موت المأمون جاء المعتصم للسلطة، فکان کاسلافه العباسيين علی خوفه من امامة اهل البيت عليهم السلام ومکانتهم العلمية والسياسية، فاستدعی الامام الجواد عليه السلام من المدينة الی بغداد عام (219)ه خوفا من تألق نجمه واتساع تاثيره، وليکون علی مقربة من مرکز السلطة والرقابة ولعزله عن ممارسة دوره العلمي والسياسي والشعبي,وفعلا تم استقدام الامام الجواد عليه السلام من المدينة الی بغداد ولم يبقَ في بغداد الا مدة قصيرة حتی اقترف المعتصم جناية قتل الإمام عن طريق دسه السم اليه في اواخر شهر ذي القعدة عام (220)هجري,وبعد هذه الحياة القصيرة في امتدادها الزمني التي دامت نحو خمس وعشرين سنة، المديدة في آثرها العقائدي والتاريخي، المليئة بالمآثر والجهاد العلمي والسياسي انتقل الامام شهيدا مظلوما الی جوار ربه ودفن ببغداد في مقابر قريش مع جده الامام موسی بن جعفر عليهما السلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى