التوبة
التوبة من المنازل المهمة والصعبة. وهي الرجوع من عالم المادة إلى روحانية النفس، بعد أن حجبت هذه الروحانية ونور الفطرة بغشاوات ظلمانية من جراء الذنوب والمعاصي,وتفصيل هذا الإجمال بإيجاز هو: أنّ النفس في بدء فطرتها خالية من كلّ أنواع الكمال والجمال والنور والبهجة، كما أنّها تكون خالية من أضداد هذه الصفات المذكورة أيضاً. فكأن النفس صفحة نقية من كل رسم ونقش، فلا توجد فيها الكمالات الروحية ولا تتّصف بالنعوت المضادة لها,ولكن قد أودع في هذه النفس نور الاستعداد والأهلية لنيل أيّ مقام، وفطرت على الاستقامة، وعجنت طينتها بالأنوار الذاتية,فإذا اجترحت النفس سيئة ما، حصل في القلب ظلمة وسواد، وكلما ازدادت المعاصي تضاعفت الظلمة والسواد، إلى أن يغشي الظلام والسواد القلب كله، فينطفئ نور الفطرة ويبلغ الإنسان مرتبة الشقاء الأبديّ,وأما إذا انتبه الإنسان قبل أن يستوعب الظلام قلبه كله، ثم اجتاز منزل اليقظة ودخل في منزل التوبة واستوفى حظوظ هذا المنزل حسب الشرائط التي سنأتي على ذكرها إجمالاً في هذه الصفحات، زالت عندها الحالات الظلمانية، والكدورات الطبيعية، وعاد إلى الحالة الفطرية النورية الأصيلة والروحانية الذاتية، وكأن النفس تنقلب من جديد إلى صفحة خالية من جميع الكمالات وأضدادها.فأنّ حقيقة التوبة، هي الرجوع من عالم الطبيعة وآثارها ومضاعفاتها إلى عالم الروحانية والفطرة. كما أنّ حقيقة الإنابة رجوع من الفطرة والروحانية إلى الله، والسفر والهجرة من بيت النفس نحو المقصد النهائيّ، والغاية الحقيقية؛ فمنزل التوبة سابق ومقدّم على منزل الإنابة. أهم وأشرف عطية إلهية تمنح للإنسان التائب، هي أن الله سبحانه وتعالى يستر عليه فلا يفضحه، ويحجب ذنوب تلك الأيام الخالية عن الموجودات كافة حتى ملكيه الموكلين به. فإذا بهما يكتشفان أن صفحة هذا الإنسان بيضاء خالية من الذنب. وهذا مرده إلى سعة رحمة الله المطلقة فلا يبقى للإنسان عذر أو حجة، وهي دافع قويّ لينهي الإنسان حياته الماضية المليئة بالمعاصي فيطوي صفحتها السوداء وكلّه ثقة ورجاء برحمة الله العزيز الغفور، ويفتح صفحة أخرى جديدة ليبدأ حياته الحقيقية، حياة القرب والطاعة والوصال مع الحقّ. فيجب الانتباه إلى نقطة هامة، وهي أنّ الشخص التائب بعد توبته لا يستعيد الصفاء الداخلي الروحانيّ والنور الخالص للفطرة، كما لو سوّدت صفحة بيضاء ثم حاولت أن تعالج السواد وتزيله عنها، فإنها لن تعود إلى حالتها الأولى من البياض الناصع. وكذلك الإناء المكسور إذا أصلحناه فمن الصعب أن يعود إلى حالته السابقة. إنّه لبون شاسع بين خليل يكون مخلصاً مع الإنسان طوال العمر، وصديق يخونك ثم يعتذر عن تقصيره,ومن أخطر مكائد إبليس والنفس الأمّارة بالسوء إيهام الإنسان ودفعه نحو التسويف وتأجيل التوبة إلى مرحلة أخرى متقدّمة من العمر، بحجّة أنّ في الوقت متّسعاً وفرصة الحياة ما زالت سانحة وطويلة بحيث يمكننا العودة والرجوع فنتوب إلى الله تعالى. وهذه في الحقيقة من أسوأ أساليب النفس والشيطان الماكرة بل وأخطرها على الإطلاق. أمّا الإنسان الواعي والفطن فإنّه يسأل نفسه:كيف أضمن لنفسي القدرة على التوبة والرجوع بعد أن تقوى جذور الذنوب في نفسي وتشتدّ؟ما الضامن على عدم حلول الموت وإدراكي للأجل المحتوم على حين غرّة، قبل حلول ذلك الموعد الذي حدّدته لنفسي للتوبة والإنابة؟إنّ أيام الشباب هي أفضل أيام التوبة حيث تكون الذنوب أقلّ والشوائب أخفّ، فلماذا لا أستغلّ هذه الفرصة قبل أن يحل مكانها الندم؟على سالك طريق الهداية والنجاة، الانتباه إلى نقطة هامة، وهي أنّ التوفيق للتوبة الصحيحة والكاملة مع توفير شرائطها من الأمور الصعبة، وقليلاً ما يستطيع الإنسان أن يصل إلى هذا المقصد..بل إنّ اقتراف الذنوب وخاصة المعاصي الكبيرة يجعلان الإنسان غافلاً عن ذكر التوبة نهائياً. وإذا ما أثمرت وقويت شجرة المعاصي في قلب الإنسان وتحكمت جذورها، فستكون لها نتائج وخيمة: منها حثّ الإنسان على الانصراف كلياً عن التفكير في التوبة، وإذا تذكّرها أحياناً تكاسل في إجرائها وأجلّها وقال: اليوم أو غداً، وهذا الشهر أو الشهر المقبل، ويخاطب نفسه قائلاً إنني أتوب آخر العمر وأيام الشيخوخة توبة صحيحة. ولكنّ هذا الشخص غافل عن أنّ هذا مكر مع الله: ﴿وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.



