سبل معرفة الحق والباطل في مدرسة أهل البيت «عليهم السلام»


إن كل ما في الدنيا من أعمال لا يعدو أمرين إثنين إما حق وهدى أو باطل وضلال وهو متردد بينهما لا محالة. ومسألة الحياد في أمر الحق والباطل مسألة غير واردة وحين يقول إنسان:أنا محايد بين الحق, والباطل ؛ يصنف في دين الله وشرعه في قائمة أهل الباطل,
والحق والباطل بينهما صراع منذ أن خلق الله الإنسان,ولم يترك الله جل وعلا أمر الحق والباطل لابساً على الناس مدلساً عليهم من الشيطان وأتباعه،ولذلك أرسل الرسول تلو الرسول،والنبي تلو النبي كي يبينوا طريق الحق حتى ختمهم بمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم) سيد الخلق أجمعين .وبالرغم من أن الحق أصبح واضحاً وبيناً ومن الأمور الثابتة التي يمكن تعرفها ومشاهدة مصاديقها من أصغر جوانبها حتى أكبرها وتطبيق أنفسنا عليها. لكن الأمر أكبر من ذلك وهو متعلق بسؤال خطير ومهم وهو لماذا يعجز الكثير عن اتباع الحق الواضح البيّن؟! ..وللإجابة عن هذا التساؤل لا بدّ من إثارة قضيتين أساستين هما:أولاً..سبل معرفة الحق والباطل، وكيفية التعرف على الحقيقة,وثانياً..معرفة الموانع التي تحول دون ادراك الحقائق،والتي تجب ازالتها عن طريق البحث.
فلو ادرك الإنسان السبل الصحيحة والمقاييس الضرورية لمعرفة الحق والباطل،وفهم الحقائق فهماً صحيحاً،وقام بدراستها وتقويمها، واجتث من قلبه ونفسه جذور موانع معرفة الحقيقة، وأزال العقبات الخارجية التي تقف في طريق بحثه ومعرفته، لما كان ثمة شك في أنه سيشاهد وجه الحقيقة الناصع ولا يعود للدخول في ميادين النزاع والجدال والمعارضة في ذلك مع سائر بني البشر،وبذلك تتخلص البشرية من كل أنواع الاعوجاج والانحراف الفكري ومن أكثر أمراضها الاجتماعية فتكاً وهي الفرقة فتصبح موحدة متعاونة,ان البحث عن الحق لتعرفه ترافقه بعض المشاكل، وحين نعرف الحق ونريد عرضه وتعريفه للناس تواجهنا مشاكل كثيرة أخرى،وإذا وقفت في الجهة المعارضة للحق ثقافة الباطل والحكومات الباطلة والسلطات الطاغوتية، فسوف نغرق في بحر من المشاكل.ولهذا السبب نجد أن كثيراً من علماء الشرق ومفكريه، الذين توصلوا الى الحق من خلال بحوثهم العلمية، لا يجرؤون على اعلانه وعرضه على الناس، لأنهم لا يودون ان يسجنهم الحكام أو تبلى أجسامهم في معسكرات الأعمال الشاقة,وكما أن الباحثين الغربيين قد فهموا،في عصر الابتذال والفساد والأمراض النفسية، بطلان القيم الغربية، وادركوا الحقيقة من خلال دراستهم،لكنهم لا يجرؤون على ابلاغها للناس.
ان الحق والحقيقة لا يظهران من تلقاء نفسيهما في كل زمان ومكان وفي مختلف الظروف والأحوال، بل ينبغي التوصل إليهما بالبحث والتنقيب وبالطرق الخاصة لمعرفتهما، وعدم ابعاد دلائلهما الأصيلة عن النظر، بل بلوغهما بالسعي المستمر، لكي نشاهد بأم أعيننا الوجه الحقيقي للحقيقة,فبعد الاحساس بالحقيقة وادراكها ومشاهدتها متمثلة في: النظام العام، والهدفية في خلق المخلوقات، والقوانين التكاملية الدائمة والشاملة، وتناسق كل أجزاء النظام، يأتي دور الاستخدام الصحيح للعقل والفكر، يقول أمير المؤمنين(عليه السلام)»..وَلَوْ فكَّرُوا في عَظِيمِ القُدرَة، وَجَسيمِ النِّعمَةِ، لَرَجَعُوا الى الطَّرِيقِ».ويقول(عليه السلام) عن دور العقل في تشخيص الحق والباطل:»كَفاكَ مِنْ عَقْلِكَ ما أوْضَحَ لَكَ سُبُلَ غَيّكَ مِن رُشْدِكَ»,فنبي الإسلام الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)،وأئمة الحق كشفوا بعلم الغيب (الذي أفاض الله تعالى ومَنَّ به عليهم) الكثير من الأسرار الكامنة، وعلموا البشرية علوماً مختلفة، وحولوا كثيراً من مجهولات البشر الفكرية والعقائدية والعلمية الى معرفة صحيحة ويقين، وأوضحوا ماهية المستقبل والتفكير فيه، وتحدثوا عن الماضي بالقدر الذي ينفع في نضج الإنسان وتكامله، وفسروا القرآن، كلام الله، بما يلبي حاجات كل عصر وزمان، وشرحوا المبادئ والخطوط العامة التي يحتاج اليها الانسان مع الاجابات الشافية لكل التساؤلات بوضوح ويسر,فحين يكون الإمام العالم بالغيب وبالأسرار الكامنة في الكون، الى جانب الانسان ليأخذ بيده ويطلعه على حقائق نظام الوجود، لن يكون هناك أي انحراف أو اعوجاج فكري,وها هم شيعة العالم اليوم يستفيدون من المصدر الهائل المتمثل في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وهي أساس الفقه والتفقه واستنباط أحكام الله تعالى،وقد حرمت سائر المذاهب والطوائف من هذه الثروة العظيمة التي يعد «نهج البلاغة» جزءاً منها.
ومن المصادر الأخرى لمعرفة الحق والباطل، القرآن الكريم الذي يعرض المقاييس الصحيحة لمعرفة الحقائق، وهو مقياس تقاس به معلومات البشر وما يتوصلون اليه، فلو أخطأنا في التفكير وسرنا في الطرق المنحرفة،فالقرآن الكريم هو الذي يدلنا على الطريق القويم،ويهدينا ويعلمنا سبل بلوغ الحق،ويعرض علينا الحقائق بصراحة ووضوح،وهو الأصل لمعرفة الحقائق,ومن الواضح أن عامة الناس عاجزون عن الاستفادة من أي كتاب علمي تخصصي دون الاستعانة بخبير من أهل ذلك العلم، لذا فقد قَرنَ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين الشهير القرآن الكريم بالأئمة المعصومين(عليهم السلام) في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):»إني تاركٌ فيكُمُ الثَّقَلَينِ، كِتابَ اللّهِ وَعِترَتي».
وخلاصة القول: لو أن طلاب الحق والحقيقة نظروا نظرة صحيحة الى حقائق نظام الخلق الحق،ثم قاموا بتقييمها تقييماً صحيحاً في ظل الوحي وعلوم أهل البيت (عليهم السلام)، بالاستعانة بما منحهم الله من قوة الفكر والعقل،واستفادوا أفضل الاستفادة من سبل المعرفة وقنواتها الأخرى،وأزالوا عن طريقهم العقبات الباطنية والخارجية،لتمكنوا من معرفة الحق والحقيقة،ولم يختلفوا فيهما،ولتجنبوا الوقوع في أي خطأ أو زلل ولم تخل نتائج بحوثهم من ثمرة،ولم يضيعوا سنين طوالاً يؤيدون الفرضيات الباطلة،بل لحثوا الخطى على الطريق القويم.



