ثقافية

أغنية قديمة

948

محمّد علوان جبر

(قالت.. تخاطب الديك الذي ذبحته قبل قليل:
لأنك لو لم تصحُ
لكان حبيبي لا يزال
بين ذراعي)
(شاعرة افغانية)
سألتها وانا أمد يدي نحو الحقيبة: هل نفد الوقت كله؟
وقبل أن تصل يدي الى أكرة الباب لأديرها، أمسكتني من كتفي.. ادرت لها وجهي، لمحت في وجهها الكثير من الأسى، وثمة هالات داكنة تشبه الغيوم تظهر وتختفي في ألق عينيها، تلمست الثوب الملون المشدود على جسدها، كان ناعما مثل جسدها، لا فرق تخيلتها دونه. كانت تقف في ضوء الفجر.. صافية وواضحة ونهداها يرتفعان وينخفضان مع تسارع انفاسها، اقتربت من دفئها.. ببطء أول الأمر، ثم بحركة سريعة ضممتها إلي، فيما تداعت ذكريات الليلة الماضية التي لا أعرف كيف انتهت. مرت ساعاتها مثلما مرت ايام الاجازة التي تنتهي اليوم. بقيت متسمرا في مكاني.. لا أعرف ماذا أفعل، وقبل ان أعيد الكرة وأمد يدي نحو الباب لأفتحه، جذبتني إليها بحركة عنيفة لم أعهدها فيها من قبل، القيت الحقيبة على الأرض، وفيما نحن ننحشر في عتمة الغرفة، حيث هيمن صمت عميق لم يقطعه سوى صوت المذيع المنبعث من بيت جارتنا، وهو يعلن عن هجوم يبدأ.. وهجوم مقابل يصده.. ومن ثم تنطلق بعد صوت المذيع اغان صادحة تشبه المارشات العسكرية وهي تمتزج مع الكثير من الأصوات التي تمتصها جدران الغرفة المختلطة مع لهاثنا ورائحة العرق المنبعث من جسدينا، بقينا في صمتنا وسكوننا ساعات، نمنا فيها كثيرا، تغمرنا مشاعر لا نعرف لها حدوداً، كانت مزيجا من الخوف والرغبة والترقب، ضحكنا كثيرا من جارتنا التي لا تطفئ المذياع، ولم نكن متأكدين هل هي نائمة أم مستيقظة. ضحكنا وربما ذرفنا دموعا صامتة في تلك الليلة التي مرت أسرع من سابقاتها، برغم اننا تجنبنا باتفاق غير معلن ان لا نعرف الوقت، لكني وبحركة لم اخطط لها، ادرت وجهي ناحية الساعة لمعرفة الوقت برغم نظرة الاحتجاج التي رأيتها واضحة في عينيها، وفيما كنت أحاول معرفته ضمتني اليها بقوة، اغمضت عيني وانا اضع رأسي على صدرها، وسمعت بوضوح انتظام انفاسها التي كانت تلفح وجهي، وقبل أن اغفو سمعت صياح ديك جارتنا وهو يعلن بدء صباح جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى