الرواية السينمائية العربية اليوم.. (الجحيم المقدس) لبرهان شاوي نموذجاً


احمد العتبي
يمكننا ببساطة في أيامنا هذه، من قراءة أي رواية بسيطة أو معقدة، الإستنتاج أن الرواية لغة مكتوبة مقروءة، تعتمد على إيقاعات سردية تتضمن الكثير من التخييل الصوري، أو ربما الحواري، لإيصال قارئها إلى إستنتاجات منطقية تتعلق بفكرتها العامة ونوعها وتركيبتها البنائية إبتداءاً من مقدمتها حتى المعضلة فالحل ثم الخاتمة أخيراً، ولكنّنا حين نشاهد فيلما سينمائيا فإن من الواضح للعيان أن عماده وصناعته قد قامت على (المرئي) في إيصال أفكار صنّاعه للمشاهدين وإمتاعهم، وهكذا يصبح ما تقدم دﻻلة على أن الرواية هي فن الكلمات بينما السينما هي فن الصورة.
وبناءاً على تلك المقدمة البسيطة سنتناول البنية السينمائية لرواية (الجحيم المقدس) للدكتور (برهان شاوي) نموذجاً للرواية السينمائية على أهميتها وسهولة الإحاطة بمكوناتها الفنية وتحليلها. فهي رواية قصيرة، تقع في 120 صفحة ذات حدث مركزي واحد يتصارع فيه جانبان يمثلان (الظالم والمظلوم) وقد إستطاع الروائي توظيف كل الأحداث الثانوية الأخرى لخدمة ذلك الحدث الأساس0
فضاء الرواية:
تتناول الرواية الجانب الإنساني لما عانته القرى الكردية في كردستان العراق من ظلم و قهر و جور خلال المدة المحصورة بين عامي 1977 ـ 1979 التي تمّت تصفية كل التيارات السياسية في العراق خلالها والتي كان فيها أفول سلطة البكر وتسلم صدام حسين مقاليد الأمور في الدولة العراقية.
يستعمل فيها برهان شاوي كل ما إستطاع من تقنيات سينمائية في تشجيع التخييل لدى القارئ، فكأنه بقارئه مخرج للرواية، بشكل سينمائي أراده له الروائي. يقول مفتتحاً الرواية: (الشمس اللاهبة تضيء السماء، السهل والجبال بنورها الباهر. الوادي الرحب يمتد بين سلسلتين من الجبال. الأشجار تتوزع دون إنتظام. في إحدى الجهات تتدفق عيون الماء التي ﻻ تبعد الواحدة عن الأخرى كثيرا. الماء الرقراق ينضح عنها ليسيل في جداول صغيرة، بينما يمتد السهل شاسعا ورحباً في الجهة الأخرى) ص 9.
أبطالها:
1. العجوز أم هيمن وإبنتها شيرين الجميلة، الكرديتان اللتان كانتا ضحيتين لشهوة قتل وشهوة جسد.
2. عبد الله، أحد سكنة بغداد من العرب، وهو مجند يؤدي خدمته الإلزامية.
3. مدام دي رينال، بطلة رواية (الأحمر والأسود) للكاتب الفرنسي ستندال.
4. أم طارق، إمرأة عجوز تسكن بغداد وتؤجر غرف دارها البغدادي العريق، لكل من:
ـ صباح الرسام: فنان إعتاد في غرفته معاشرة النساء، ورسم بوتريهات لهن.
ـ علي الفيلي: شيوعي ملحد إتهمته الحكومة ظلماً بالإرهاب ومحاولة إغتيال الملوك والرؤساء العرب في قمة بغداد وحيازة مسدس!
ـ هاشم: متدين ملتحٍ، هو تحت مراقبة الأمن أيضا لكونه هو الآخر ـ في نظر الدولة القمعية الشوفينية ـ عنصرا مهددا للأمن والسلم المجتمعي فيها.
ـ أشخاص ثانويون (عرفاء وجنود وضباط) لكن كان لهم دور في صنع أحداث الرواية.
سينمائية الرواية:
سأختار في أدناه بضعة إقتباسات تتضمن (صورا مرئية) للقارئ من الرواية لنقف قليلا عند كل منها:
1. العجوز في غرفة الثلاجة تنظر لجثة ولدها الميت: (نظرت العجوز بوجه يعصره ألم ﻻ تستطيع اللغة أن تعبر عنه، انحنت على الوجه الميت، انحدرت دموعها، تشوه وجهها من الألم وبكت بحرقة شديدة، شديدة، كانت أنّاتها تخرج من إعماق القلب، إحتضنت رأس إبنها وأخذت تنعاه بالكوردية وبصوت عال) ص 69 . والآن أعزائي القراء، هل تخيلتهم حجم الألم الذي يعتصر قلب العجوز لفقدان إبنها؟ هلا أغمضتهم أعينكم لبرهة وتخيلتم مكان كامرات التصوير للفيلم السينمائي؟ تقول العجوز بلغة كردية لا يفهمها الشرطيان: (مجرمين، قتلة، كلاب، كلكم قتلة ومجرمين، لعنة الله عليكم وعلى رئيسكم المجرم) ص 70. ما الذي يمكنها أن تقوله اكثر من ذلك؟ ربما قالت المزيد، فالقلب يتمزق، والنفس يكاد ينقطع والعينان كادتا تصابا بالعمى، وربما السكر والضغط يرتفعان، ونوبة هستيريا تتصاعد في روحها المسكينة.. (وفجأة ساد صمت مختلط برهبة راعشة، التفت الشرطيان، كانت العجوز قد فارقت الحياة، نظر كل منهما للآخر، ثم استمرا بسحبها.. كانت صرخات الأم تصل إلى أذني الجثة، انحدرت دمعتان من عيني الجثة الصامتة) ص 70. هلا أغمضتم أعينكم الآن وتخيلتم المشهد وحجم الكارثة؟
2. مشهد شيرين والضابط البعثي: (كانت شيرين مشدودة اليدين ومربوطة بقضبان السرير الحديدي للخلف. كانت شبه عارية، إذ كان صدرها عاريا ونهداها بارزين وسروالها منزوعا عند قدميها المفتوحتين على سعتهما، كانت كمجنونة، تائهة النظرات، يعتصر وجهها ألم وحشي. وكان الضابط قد استدار لها بقفاه.. زرر بنطاله وألقى بمنديل ابيض ملوث بدم إلى جانب حوض حنفية الماء. فتح الباب وخرج إلى الباحة. كان الليل مدلهما. ليل عراقي حالك السواد) ص 84. ها؟ هل أدركتم هول ما كان من ذلك الكلب القذر؟ إن أنتم تفاعلتم مع ما حصــــــل لشيرين فقد حقق الروائي مراده وهدفه.
3. عبد الله في حفلة مع الآنسة ماتيلده دي لامول ورجلين: يقول الرجل: (ﻻ تزال صغيرا يا صديقي. إن الناس يقومون بأكبر الأعمال قسوة، ليس هذا فحسب وإنما دون أن يحسوا بلذة.. ومن دون أن يتذكروا ما قاموا به، حتى الجرائم.. أحست الآنسة بصدمة عميقة ولم يكن باستطاعتها أن تتجاهل نظراته فابتعدت بحزن يخالطه غضب مكتوم) ص 98. فالقول اللفظي، وبعض الموسيقا التصويرية الهادئة التي لا بدّ أن ترافق حفلة كهذه، وصولا الى ذلك الحوار المباشر حيث تتحول الموسيقا إلى الحدة بشيء يتماشى و طبيعة الحوار، مع مؤثرات مضافة مصاحبة لصدمة الآنسة وحزن المخلوط بغضب كلها من مقاربات النص في تحوله لصورة مرئية ومجموعة أصــــــــوات هو جزء مما أسميناه (سينمائية الرواية).



