ثقافية

فراسة

814

عبد القادر صيد/ قاص تونسي

لباس متهرئ ووجه بائس، لا تحتاج إلى حصص طويلة في علم الفراسة لكي تتأكد من أنه صعلوك، بل يخيّل إليك أن الفضيلة تنتحر على وجهه، ولكن ما إن يتكلم حتى تستغفر الله ألف مرة، لأنه يصدمك بكلام ثابت وروح هادئة تخالف خلافا كبيرا مظهره. تبقى متحيرا في سر يسبح في بحة صوته و فحوى كلامه، ويبقى هو مزهوا بهذه الميزة التي منحه الله إياها. وكلما خرجت من سحر كلامه ترقبت أن تأتي الشرطة في أي لحظة لتضبطكما معا متلبسين بأي جريمة كان اقترفها أو هو مرشح لارتكابها، فوجهه وهيأته شبهتان صارختان، تجزم أنه لم يمر على مرحلة الطفولة. لا شك أن ظله أجمل منه، ولكنك لا تدري متى بدأت مراسيم الطلاق بين هذا الظل وشكله برغم محاولاتهما الحثيثة في التعايش الودي.
بعض ارتساماته سحنة سائق مخالف للقانون، ينظر إليك بكل وقاحة منتظرا التلذذ برؤية التقزز على وجهك، و هنا أستطيع أن أتوقف، لأن القصة بالنسبة إليّ انتهت، فقد شفيت قلبي، ولكن القارئ لا ينتظر من كاتب متواضع مثل هذه الشطحات، لأنه يراها سمجة، لذلك سأحاول أن أكمل.
هذا الكائن يأتي كل مساء إلى بناية قديمة ليس فيها ضريح، ولكن سماها صاحبها زاوية صوفية، وهكذا بدأ الناس يتعودون على تسميتها، ويكررها غيرهم ليسلم فقط من الجدال، حتى اكتسبت ذلك بالتقادم، فماذا يفعل صاحبنا هنا؟ يلتف حوله شبان على الفطرة من العصر إلى المغرب، ينتظرون منه خلالها تفسير بعض الحكم الصوفية وفكّ مفارقاتها، متحملين منه الدخان الذي يتعاطاه وبعض العبارات التي يمكن أن تعدّ نابية، ولكنها ليست صريحة. وقد تسألني: أين مكانك أيها القاص؟ أنا أحد أؤلئك الشباب، و قد أجمع كلهم على نكران كلامي هذا في حقه، كنت صامتا متأملا، وكان دائما يكرّر لي مبتسما ببراءة لا أقرأ فيها إلا المكر:
ـ أكرهك، لأنك في داخلك لست صافيا اتجاهي.
أحس بتأنيب الضمير.. أحزن، و أبكي داخلي، لأن روحي تنافرت مع أرواح الصالحين.
هل أنتم معه في أنني لست صافي الطوية إزاءه؟ بعد ثلاثين سنة ـ أي هذا العام ـ اكتشف أنه تاجر أسلحة دوليّ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى