اخر الأخبار

الصوم في عمق تأريخه وغاياته

 

عملية الصيام عميقة الجذور في التأريخ، وأصيلة المنبع في وجود الكائنات قبل أن يُحدِّدها القرآن الكريم بهذه الكيفية، وترتبط جذور هذه الفريضة التأريخية على مستويين:الأوّل..على صعيد الجانب الكوني العام، فمن المعروف أنّ صيام الحيوانات أمر طبيعي، يرتبط بحياتها التكوينية، ونظام غذائها بما يناسب طبيعتها، فبعض المخلوقات تصوم لبضعة أيام وبعضها لمدد طويلة، والنباتات تصوم مدّة من الزمن برقدة تحت أجنحة الشتاء، ثمّ تعود وقد اكتست حلّة جديدة خضراء ندية، وبدأت في استعادة حيويتها بعد تلك الرقدة..والثاني: على مستوى الجانب الإنساني، فالمعروف أنّ الأُمم السابقة كانت تفرض على أفرادها عملية الصيام قبل أن تصلها الرسالات السماوية لمدد متعاقبة، إيماناً منها بضرورة التكيُّف على قلّة الطعام، بحكم ارتباط عملية الصيام بحاجة كلّ كائن إلى الخير والعطاء منذ وجوده إلى فنائه.والإنسان أبرز الكائنات التي تتطلّع إلى الخير والأمان والعزم والقوّة والنقاء والطُّهر، ويعد الصيام كفيلاً أو مساهماً بتوفير ذلك إلى الإنسانية.وقد أشار القرآن الكريم إلى عمق هذه الغاية بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة/ 183).والمراد بالذين من قبلكم، الأُمم السابقة من الملّيين في الجملة، ولم يعين القرآن مَن هم، غير أنّ ظاهر قوله: (كَمَا كُتِبَ)، إنّ هؤلاء من أهل الملّة، قد فرض عليهم ذلك ولا يوجد في التوراة والإنجيل الموجودون عند اليهود والنصارى ما يدل على وجود الصيام وفرضه، بل الكتابان يمدحانه ويعظمان أمره؛ لكنهم – أصحاب التوراة والإنجيل – يصومون أياماً معدودة في السنة إلى اليوم بأشكال مختلفة كالصوم عن اللحم، والصوم عن اللبن، والصوم عن الأكل والشرب,وفي القرآن الكريم قصّة صوم زكريا (ع) عن الكلام، وكذلك صوم مريم (ع) عن الكلام، ومن خلال عمق جذور هذه الفريضة، وأصالتها التأريخية على مستوى الأديان كافّة، نعرف أنّنا والأُمم السابقة نشترك في ضرورة الوصول إلى غايات وأهداف ترتبط بوجودنا كأيّة أُمّة من الأُمم لها دينها ومنهجها.ولا شكّ في أنّ الغايات التي تنشدها الأُمّة المسلمة هي أسمى الغايات وأنقاها، على المستوى الإسلامي والإنساني معاً، إذ تتمثل في السعي نحو سعادة الدارين، وسر هذه السعادة مرضاة الله تعالى واستمداد رعايته، ودعمه وإسناده لهذا الوجود.والغاية من تشريع فريضة الصيام، لا تنفصل عن الغاية من الشريعة الإسلامية ككلّ، والتي ترتبط أحكامها وخطوطها كافة بمصالح واقعية، تعود على البشرية في تكوينها وفي نواحي وجودها كافة ، وضمان الاستقامة لمسيرتها في الحياة، إلّا أنّ بعض المصالح والأهداف من الالتزامات في الشريعة تكون واضحة بارزة، يتم إدراكها والتوصُّل إليها على مدى تطوُّر الفكر الإنساني وتطلُّعاته، كما هو شأن الكثير من الواجبات والأحكام والتشريعات الإسلامية.ولكن بصورة عامّة عندما تتناول فريضة الصيام على بساط البحث والتحليل، من أجل إستقراء بعض الملامح الإيجابية المتوخاة من وراء هذه الفريضة، وبدل الخوض في معرفة أهداف وغايات الصيام بصورة تفصيلية مطولة، لا بدّ من معرفة حقيقتين مسلّمتين:-
الحقيقة الأُولى
إنّ أيّة مادّة من مواد التشريع الاسلامي والتزاماته، إنما هي من أجل خير الإنسان ومصالحه، والذي ما فتئ يسعى إلى الخير وبطبعه ما وسعه، وليس لله تعالى حاجة لالتزامات الإنسان، لأنّه هو الغني المطلق، وعليه، فهو المتفضل على العبد بالهداية إلى سواء السبيل: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الحجرات/ 17).ومن هنا لم تكن الواجبات والالتزامات طوقاً من قيود العبودية، أو عاملاً من عوامل الإرهاق والإيذاء للعباد، وإنما تحقق للعبد المؤمن نتيجتين في الحياة،هما إنّها روافد تطهير وتزكية للنفس، ومنابع خير ونعمة، من لدن الله تعالى الإنسانية: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة/ 6).
وإنّها روابط حبّ، وعلائق مودّة ورحمة بين العبد وربّه عزّ و جلّ لا كأيّ من الروابط الأخرى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) (البقرة/ 165).
الحقيقة الثانية
إنّ الإنسان لا يستطيع بنفسه أن يُحدِّد أو يُقدِّم الضمان لمصالحه وخيره، وإنما يحتاج إلى مَن هو أقدر منه على تحديد غاياته ومصالحه، وإلى مَن يرسم الطرق الموصلة إلى تلك الغايات، لأنّ الإنسان محدود في تكوينه وخبراته العقلية، سريع التأثر والانفعال والارتباك والخوف..قال تعالى: (إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ) (المعارج/ 19-23).فهو ذو طبيعة متزلزلة هلعة متخوفة، تربكها الشرور وتزعزعها المصاعب والنكبات، وتبطرها النعم، وتتحكّم بها أشكال من الميول والأهواء، فيحتاج في حياته الطويلة المضنية، إلى رابطة روحية دائمة بالله تعالى، تستوي من خلالها لديه حالات الشدّة والرخاء، وإلى تخطيط حكيم شامل لتحديد طريقه وأهدافه وواجباته وحقوقه، ولا شكّ أنّ الله تعالى هو وليُّ التخطيط المطلوب، وصاحب الحاكمية المطلقة، والولاية الدائمة على الكون والحياة.
وعلى أساس هاتين الحقيقتين، جاء القرآن الكريم يحمل هذا التخطيط الحكيم لحياة الإنسان، ويقدم له الحلول والمعالجات لمشاكله، وأزماته في كلّ عصر، ويدعوه إلى مواكبة أوامر الله عزّ و جلّ…(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الأنفال/ 24).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى