الرفقة والصداقة في رسم أخلاق الإنسان
أثبتت التجربة، واتفق علماء الأخلاق والتربية والتعليم، على تأثير الأصدقاء والعشرة فاذا كان الصّديق فاسداً ومنحرفاً، في دائرة السّلوك الأخلاقي، فسيؤثّر في صديقه السليم،من موقع الانحراف كذلك، والعكس صحيح أيضاً، فالكثير من المؤمنين، والأقوياء الإرادة، إستطاعوا أن يؤثّروا في زملائهم الفاسدين،على مستوى الهداية والإصلاح، بحيث جعلوا منهم اُناساً أتقياء،وملتزمين في دائرة السّلوك الدّيني والأخلاقي،وهنالك آيات قرآنية تناولت هذا الموضوع:»وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ، حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ»الزخرف:36-38، «قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنّي كَانَ لِي قَرِينٌ ، يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمصَدِّقِينَ، أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ ، قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ، فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ، قَالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِي ، وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمحْضَرِينَ»الصافات:51-57،تلك الآيات التي وردت في محلّ البحث، تحدّثت عن جلوس الشّيطان، مع الغافلين عن ذكر الله، من منطق الغُواية، وتوضح تأثير قرين السّوء، في السّلوك الأخلاقي للإنسان ومستقبله، فتقول أولاً:»وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ»وبعدها يتطرّق القرآن الكريم إلى النتيجة، فيقول: إنّ هذا الإنسان عندما يرد في عرصات القيامة، وعند حضور الجميع عند الله تبارك وتعالى، وكشف الأسرار والحقائق، حيث نستوحي من هذه التعبيرات، بأنّ قرين السّوء، يمكن أن يحرف الإنسان من موقع الإغواء، عن طريق الباري تعالى، ويصدّه عن سبيل الهداية والصّلاح، فيهدم عليه دعائم الأخلاق، ويشوّه الواقع النّفسي والفكري له، فينخدع هذا المسكين ويحسب أنّه على هدىً، فإرجاعه عن غيّه، والعودة به إلى الصّراط المستقيم، سيكون ضرباً من المحال، ولن يستيقظ من أوهام الغفلة، إلاّ وقد فات الأوان، وبعد غلق طريق العودة عليه..ونرى التأسف الشّديد والتأثرّ العميق، الذي يعيشه الظالمون في يوم القيامة، بسبب إختيارهم ومصاحبتهم لأصدقاء السّوء، لأنّهم كانوا العامل الأساس في محنتهم الفعلية..وبناء على ذلك فإنّ الظّالم في يوم القيامة، أول ما يتأسف على تركه الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقطعه للعلاقة معه، وبعدها يتأسف على توثيق العلاقة مع أصدقاء السّوء، وبعدها يصرّح، أنّ العامل الأصلي لضلاله، هو نفس هؤلاء الأصدقاء المنحرفين، ومرضى القلوب، وأن تأثيرهم فيه كان أشدّ من تأثير النداءات الإلهيّة: (طبعاً عند المنحرفين فقط).فما يُستفاد من الآيات المذكورة آنفاً، هو أنّ الأصدقاء والأصحاب، لهم أثرهم الكبير في سعادة وشقاء الإنسان، ليس على مستوى التّأثير في السّلوك الأخلاقي فحسب، بل وعلى مستوى العقائد أيضاً، فهنا يجب على المرشد أن يهتم في عمليّة صيانة الأفراد من الزيغ والإنحراف، ويرعاهم بتوجيهاته بعيداً عن أجواء التلوّث، وخصوصاً في عصرنا الحاضر، الذي إنتشرت فيه وسائل الفساد، عن طريق رِفاق السّوء بصورة مُخيفة، وأصبحت سبباً من أسباب الإنحراف والسّير في خطّ الباطل.وردت روايات وأحاديث مستفيضة في هذا المضمار عن الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، والأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، تعكس أهميّة هذه المسألة،فمن جملة الاُمور الّتي توصل إليها علماء النّفس، هو وجود روح الُمحاكاة في الإنسان، يعني أنّ الأفراد ينطلقون في حركة الحياة، من موقع الشّعور واللاّشعور، بمُحاكاة أصدقائهم وأقاربهم، فالأشخاص الّذين يعيشون حالة الفرح والسرور، ينشدون الفرحة والحُبور من حواليهم، والعكس صحيح..فالأفراد المُتشائمون، الذين يعيشون اليأس وسوء الظن، يؤثرون في أصحابهم، ويجعلونهم يعيشون حالة سوءِ الظّن، وهذا الأمر يبين لنا السّبب في تأثير الأصدقاء بعضهم بالبعض الآخر بسرعة و مَشاهدة القبائح وتكرارها، يُقلّل من قبحها في نظر المشاهد، وبالتدريج تصبح أمراً عاديّاً، ونحن نعلم أنّ إحدى العوامل المؤثّرة في ترك الذنوب والقبائح، هو الإحساس بقبحها في الواقع النّفسي للإنسان,وتأثير التّلقين في الإنسان غير قابل للإنكار، وأصدقاء السّوء يؤثرون دائماً في رفقائهم في دائرة الفكر والسّلوك من خلال عمليّة التلقين والايحاء، فيقلبون عناصر الشرّ في إعتقادهم إلى عناصر الخير، ويغيّرون حسّ التّشخيص لديهم لعناصر الخير والشرّ في منظومة القيم، فتختلط عليهم الاُمور، في خطّ المستقبل وكيفيّة التعامل مع الغير.



