الإعتكاف دربنا إلى الله


الاعتكاف حجز النفس وحبسها في مكان محدّد وتقييد هذه النفس وإيجاد حدودٍ لها. والعكوف يعني الإغلاق والإقفال وحصر النفس في نقطة معيّنة،لكي تتحقّق خلوة في القلب،فيتمكّن الإنسان من أن يجد فرصة للاتّصال المباشر والعلاقة النقيّة مع ربّ العالمين.هذه هي حقيقة الاعتكاف،وهو عبادة تشتمل على رياضة. وهذا ـ في الواقع ـ هو حال الكثير من العبادات، يتجلّى فيها بُعد الرياضات الروحانيّة،وهي رياضات يفرضها الإنسان على نفسه بملء اختياره ورغبته طوعاً،لكي يسمو ويرتقي بباطنه ومعنويّاته وقلبه،الاعتكاف هو من هذا النوع من العبادات.والمتعارف لدينا حاليًّا هو الاعتكاف لثلاثة أيّام،ولكن يمكن الاستمرار والمتابعة بالاعتكاف حتى تسعة أو عشرة أيام. وقد ورد أنّ الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان يعتكف في اللّيالي العشر الأخيرة من شهر رمضان،حيث كان يبقى في المسجد ولا يخرج منه ويمارس أعماله من داخل المسجد،وقد كان(صلى الله عليه وآله وسلم) لإصراره على الاعتكاف إذا سافر في هذه الأيام العشرة يعتكف في العام المقبل عشرين يوماً..وعن كون الإعتكاف من ثمار الثورة الإسلامية المباركة يقول الإمام الخامنئي(دام ظله):»طوبى لكم أيّها المعتكفون الأعزّاء..إنّ ظاهرة الاعتكاف هذه هي واحدة من بركات هذه الثورة الإسلاميّة ومن ثمارها وإنجازاتها. نحن لم يكن لدينا في بداية الثورة مثل هذه الأمور. نعم، كان الاعتكاف دائماً موجوداً. في أيّام شبابنا، وعندما كان يقبل شهر رجب، كان ما لا يزيد على خمسين إلى مئة نفرٍ من الطلبة تقريباً يعتكفون في مسجد الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) في مدينة قم ـ وفقط في قم، حيث إنّني لم أشاهد أصلاً اعتكافاً في مشهد ـ. أمّا أن يتحوّل الاعتكاف، كما هو عليه اليوم، إلى ظاهرةٍ عامّة واسعة النطاق، بحيث يشارك في مراسم الاعتكاف عشرات الآلاف من الأشخاص، ويكون أغلب هؤلاء المعتكفين من الشباب، فهذا ـ في الحقيقة ـ جزء من إنجازات هذه الثورة وبركاتها..وعن وضع البرامج والتخطيط يقول الإمام الخامنئي(دام ظله):»إنّ العمل الأهم يتمثّل في التخطيط والبرمجة،فما لم توضع برامج جيّدة وما لم تتمّ مساعدة جموع الشباب المتعطّشة والمتحمّسة التي تقصد المساجد للاعتكاف،فإنّ كلّ هذه الطاقات وهذه الفرص سوف تذهب هدراً، بل إنّها قد تصبح مضرّة أيضاً. ينبغي أن تكون البرمجة ذكيّةً وواعية، وفي الوقت عينه يجب أن تراعى روحيّة الاعتكاف وحقيقة معناه. فلنفترض ـ مثلاً ـ أن يأتي أحدهم ويخطّط لعرض أفلامٍ للشباب المشاركين في مراسم الاعتكاف! مع أنّ الأفلام من الممكن مشاهدتها في أيّ مكان. مشاهدة الأفلام لا تحتاج إلى الأيّام البيض، ولا إلى الوجود والعكوف في المساجد، وما إلى ذلك.وبالنسبة لأهداف الاعتكاف فقد بين الإمام (دام ظله):»إنّ الغاية من الاعتكاف هي إيجاد حالة القرب من الله والدنوّ منه سبحانه.فانظروا ما الذي يسعكم فعله من أجل تقريب قلب المعتكف من الله وتقريب عقله وذهنه أيضاً من الله؟.وبالطبع،فإنّ الإنسان حينما يستأنس في باطنه وقلبه بالله تعالى،فإنّ ذلك من شأنه أن يترك تأثيراته في ظاهره،وتظهر عليه علامات ذلك.وحينما تعتري الإنسان حالة الخشوع،فإنّ الخضوع أيضاً سيعقب الخشوع،وعندئذٍ سيؤثّر ذلك في حياته..نحن نحاول الاقتراب من الآثار التي تنتج عن ممارسة تلك العبادة علنا نرسم صورة للحكمة منها.وتتضح آثار الإعتكاف حينما نضعه في إطار المعركة التي صوّرها الإمام الخميني(قدس سره) في كتابه القيِّم (الأربعون حديثاً) بين معسكرين، حينما صوّر النفس الإنسانية وسط حرب قائمة بين معسكر الرحمن ومعسكر الشيطان،وكل معسكر يحارب وينازع الآخر من أجل الغلبة،والإنسان هو ساحة حرب المعسكرين..وبما أن الشهوات والغرائز تحاول بثقلها إخضاع النفس الإنسانية لمعسكر الشيطان،لم تكتف الشريعة الإلهية بتوجيه الإنسان نحو التأمل والتفكير ثم العزم وأخذ القرار، بل أرادت أن تدخله في دورات تدريبية تعرّفه خلالها قدرته على التحكم بشهواته بدل أن يكون محكوماً لها0



