ثقافية

حالة وسطى

103

غسان عباس محسن

صوبت نظرة ذابلة نحو الساعة المعلقة على جدار غرفتها وكأنها أرادت ان تهيىء نفسها لأمر مهم كان ينبغي عليها أن تقوم به في وقت معين، ثم حولت إيناس عينيها نحو علبة الحبوب التي كانت تتناول عدداً منها دفعة واحدة كفيلاً بإنهاء معاناتها الطويلة في هذه الحياة، أطرقات بعد ذلك تفكر للحظات وهي شبه مستلقية على سريرها وقد أشعث شعرها وأحمر لون عينيها وكأنها لم تذق طعم النوم طيلة الليالي الماضية، وفي حقيقة الامر فإنها كانت مترددة ولم تعرف إن كانت تمتلك الشجاعة التي تجعلها تقدم على فعل هذا الامر ام لا؛ وحاولت في هذه الأثناء أن تتذكر بعض الأسباب التي قادتها الى التفكير في القيام بهذا الامر التي سينهي مشوارها في هذه الحياة والخسائر الكبرى التي مُنيت بها في حياتها الصعبة وكان من نتائج ذلك ان تدعوها لفقد إيمانها بكل شيء، حتى وصل بها الامر الى أن تُقدم على التفكير في إنهاء حياتها عن طريق الانتحار، وبرغم انها لم تكن تتذكر متى كانت أولى تلك الخسائر ولكنها تعلمت ان تفقد ثقتها بكل ما حولها بشكل تدريجي. وربما كان ذلك منذ المرة الاولى التي أدركت فيها بأن القمر المنير الذي كانت منبهرة بجماله ليس اكثر من مجرد حجارة صلدة معتمة لا حياة فيها او لعلها فقدت إيمانها بكل شيء منذ عرفت بان معظم النجوم التي تملأ سماءنا في الليل ما هي الا أقمار اصطناعية ارسلها الانسان الى الفضاء لأغراض متعددة وربما كان ذلك منذ عرفت بان الزهور الجميلة الملونة التي وضعت خلف زجاج نافذة المحل الذي يقع في الحي الذي تسكن فيه لم تكن الا زهورٌ اصطناعية ليس فيها روائح الزهور الطبيعة العطرة ولا روحها.
ولكن كل تلك الأمور لم تكن لتقارن بخسارتها الكبرى اثناء مدة الطفولة؛ حيث قتل في حادثة تصادم سيارة جميع أفراد أسرتها من أب وأم وأخ صغير لتتذوق بذلك طعم اليتم المر منذ صغرها ولتنتقل للعيش في منزل احدى خالاتها وتعيش حياة لا تعرف فيها الا طعم الحزن والمرارة ، وبعد مرور سنوات من الحياة الهانئة في منزل الخالة عادت إيناس لتتذوق طعم الخسارة من جديد وذلك إبان مدة دراستها في الجامعة حيث تخلى عنها الشخص الوحيد الذي أحبته برغم إخلاصها له، وعرفت عن طريق احدى الزميلات انه قرر الارتباط بإنسانة اخرى وكيف انه حاول بكلمات قليلة ان يبرر لها استسلامه للظروف مدعيا انها أقوى منه!
احداث كثيرة مرت بها إيناس في حياتها كانت تشكل بمجملها اسباباً قويةً لان تفقد إيمانها بكل شيء من حولها لكن وقوف خالتها بجانبها وحثها على الاستعانة بالله شكلت نقطة تحول في حياتها فكانت تجدُ في الصلاة والدعاء وسيلة للتشبث بالأمل برغم انها كانت تردد دائماً بانها كانت تتمنى لو انها «ماتت مع بقية أفراد أسرتها في حادثة السيارة». وهكذا فضلت الجلوس في منزلها عقب تخرجها من الجامعة في الوقت الذي انطلقت فيه بعض صويحباتها وانشغلن في شؤونهن الحياتية المختلفة فهذه تزوجت وأنجبت الأطفال وتلك وجدت عملاٌ في احدى الدوائر الحكومية او الخاصة وأخرى هاجرت لتبحث مع أسرتها عن وطن جديد قد يحقق لها بعض أحلامها، اما إيناس فقد زهدت في كل شيء وكانت تحاول في أحايين كثيرة ان تستعين بالعبادة لتصبر على وحدتها وتجد في ذلك بعض العزاء على خساراتها الكثيرة لكن استسلامها لوساوس الشيطان كانت تعيدها الى ساحة اليأس فتجد نفسها من جديد وسط دوامة الضجر التي تقبع في عالم عبث لا جدوى فيه، وبذلك لم يتبقَ لها من فعل غير البكاء والذي صار بالنسبة إليها حالة وسطى كانت تشعر عن طريقها بالراحة وتجد فيها خير وسيلة لتؤنب بها نفسها وتلومها على كل خساراتها، وبرغم انها كانت تدرك ان البكاء لن يجعل شيئا من واقعها يتغير لكنها كانت تبكي كلما أمكنها ذلك ما دامت لم تكن لديها الهمة لفعل أي شيء اخر، فكأنها ترى البكاء كالحبل الذي يمتد بين جبلين كبيرين كما انه صار بالنسبة إليها كسبب للنجاة يبقيها متصلة بأسباب هذه الحياة، وصارت شديدة التحسس لكل ما حولها وبدا وكان شيئاً بسيطاً كموت حشرة أمامها كان كافيا لجعلها تغرق في نوبة اكتئاب تلقي بها مرة اخرى في وادي اليأس، فوجدت نفسها تقف بوجه ذوى شبابه قبل أوانه أمام احدى الصيدليات لتشتري علبة الحبوب التي اعتقدت بانها ستجلب لها الخلاص الذي بحثت عنه طويلا، واستسلمت لحياتها البائسة تراوح في مكانها على مرور الايام لا تفعل شيئا غير التفكير في مرارة ألم خساراتها.
والتفتت في ذلك الصباح نحو زجاج النافذة القريبة حيث لم تستطع أشعة الشمس التي كانت تشق غرفتها ان تبدد ظلام الزيف الذي لف روحها فشعرت إيناس بشيء ما وكأنه خيط دمع خيباتها ونكساتها الذي كان يجري على خدها في تلك اللحظة التي قررت ان تنتحر فيها حيث فكرت لبرهة في ان الناس سيسمعون لاحقا عن ذلك فيلعنوا روحها من دون ان يعرف احد منهم ما الأسباب التي أدت بها الى القيام بهذا الامر؟. مدت يدها المرتجفة نحو علبة الحبوب لكنها توقفت في اللحظة الاخيرة بعدما سمعت تغريد بعض العصافير التي اجتمعت في حديقة منزلها فعجزت عن القيام بذلك الأمر واحتارت للحظات فيما يتوجب عليها فعله لكنها وجدت نفسها تستسلم للبكاء في نهاية المطاف.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى