دراسة تحليلية لعمليات «قادمون يا نينوى» ..


الفريق الركن .. حسن سلمان خليفة البيضاني /مركز حراب للدراسات والبحوث / خاص المراقب العراقي
الحلقة السادسة
عودة الى مبررات التأخير
بيّنا في الحلقة السابقة ثلاثة من العوامل التي أدت وتؤدي الى تأخير انجاز العمليات العسكرية في الموصل على وفق ما مخطط لها وهذه العوامل للتذكير هي طبيعة الاحياء القديمة وضعف بنيتها التحتية وصعوبة استخدام الأسلحة فيها بمختلف عياراتها والعامل الثاني هو اعتماد داعش في معركته الدفاعية على مبدأ تحشيد الجهد ومبدأ الاقتصاد بالقوة مقروناً بمبدأ وحدة القيادة ، وجميع هذه المبادئ اذ ما طبقت وخاصة في معارك الدفاع عن المدن فأنها ستمنح المدافع قوة أكبر ومقاومة أشد ، العامل الآخر والأخير الذي جرت مناقشته والذي لا يقل أهمية عن سابقيه هو عامل الطقس ومدى تأثيره على عموم حركة القطعات وفعاليتها القتالية حيث ان أغلب العمليات القتالية القائمة وخاصة في الجانب الأيمن جرت خلال شهري اذار ونيسان قد أنجزت في ظل ظروف جوية سيئة للغاية . أما عن باقي العوامل التي أدت وستؤدي حتماً الى المزيد من التأخير فيمكن اجمالها بما يلي :
قوات التحالف والدعم المتذبذب
عوّل الكثير من المحللين على ما ستقدمه قوات التحالف الدولي التي تقودها الولايات المتحدة الامريكية للقوات العراقية خاصة وإنها قد وعدت وتوعدت بأنها ستساهم وبشكل مباشر في دحر داعش داخل العراق بأقرب فرصة واقل وقت ممكن إضافة الى امتلاكها قدرة جوية فائقة تجعلها قادرة على السيطرة الكلية على مجريات المعارك على الأرض من خلال وسائل المراقبة التي تمتلكها , كما انها تمتلك وسائط اطلاق ذات دقة عالية بإمكانها معالجة كل الأهداف المعادية المحتملة والمستعجلة ومع ذلك وبرغم كل ما تملكه هذه القوات من تقنيات حديثة نجدها تقف عاجزة على تحديد أهداف يمكن استحصالها بوسائل اقل تقنية ، وغالباً ما يتذرع الامريكان وقوات التحالف بهذا العامل لسببين هما :
ـــ وجود المدنيين وبالتالي صعوبة معالجة الأهداف .
ـــ الاحوال الجوية وظروف الرؤية الرديئة.
ولم يتوقف الامر عند هذا الحد بل ان الكثير من الضربات التي نفذتها قوات التحالف تجاه الأهداف ادعت انها منتخبة بدقة تبين لاحقاً انها غير ذات أهمية وليس لها أي تأثير على مجرى الحوادث وسير العمليات يضاف الى ذلك وهنا تكمن المأساة في ان قوات التحالف عالجت اهدافاً تبين لاحقاً انها قوات صديقة مما اثر سلباُ على عموم الوضع القتالي وادى الى تأخير في تنفيذ الكثير من الضربات الاستباقية بغية تدقيقها خشية ان تكون هذه الأهداف قوات صديقة ، وهنالك جانب اخر قد يكون من السابق للأوان طرحه أو مناقشته كعامل مثبط ومؤخر للعمليات ألا وهو حصول شكوك في ان داعش قد تلقت عن طريق الجو الكثير من المساعدات سواء أسلحة أو ذخائر أو معدات أو تجهيزات أو غيرها من مكونات الدعم اللوجستي ، وهذه المسألة قد لا تكون بذات الدقة التي تستوجب الوقوف عندها ولكن شواهد كثيرة اثبتت حصول مثل هذه الحالات سواء في الموصل أو على حدود تلعفر أو في الحويجة ، وقد تكون الجهة التي قامت بذلك هي ليست قوات التحالف أو القوات الامريكية على وجه التحديد إلا ان التساؤل المشروع هو ان السيطرة الجوية بيد هذه القوات فكيف تجري مثل هذه العمليات دون أي تدخل أو منع مباشر من قبلها . في الوقت الذي تشير بعض المصادر الى احتمال ان يكون الاتراك طرفاً في هذه العمليات.
الاكراد والأتراك ومعوقات التنفيذ
لا يرى الكثيرون ممن يدلون بدلوهم في هذا المجال أي تأثير سلبي لمشاركة البيشمركة في عمليات تحرير نينوى ، فالمعروف ان قوات البيشمركة قد كلفت ابتداء بتنفيذ جزء من الواجبات ضمن الجانب الايسر من الموصل إلا انها ولأسباب قد تكون غير معلنة قد تأخرت كثيراً في انجاز الواجبات المحددة لها ومنها استعادة (تلكيف) التي اضطرت قيادة العمليات المشتركة لاحقاً لتكليف الفرقة التاسعة المدرعة بإنجاز تحريرها ، اما في الجانب الأيمن فان قوات البيشمركة لم تشارك كعامل حاسم ومباشر بالقتال بل ان قواتهم المنتشرة على الخط المار من شمال الموصل وصولاً الى شمال تلعفر و زمار وحتى سنجار لا يزال هشاً وغير متماسك مما منح (داعش) إمكانية المراهنة على الاطالة من خلال استغلال الثغرات في هذا الخط (خط التطويق الشمالي) لغرض التموين وديمومة مجاميعه المسلحة وبالتالي فأن الحديث عن محاصرة العدو بشكل كامل قد لا تكون واقعية اذا ما بقيت الأمور على هذه الشاكلة ، اما الحديث عن الاتراك فأنهم وحسب ما تبين من خلال إدارتهم للصراع في هذه المنطقة فأنهم يعملون بوجهين علني وسري فالعلني يتمثل بمحاربة داعش من اجل تقويضها إضافة الى ضرب تنظيمات حزب الاكراد التركي (PKK) من خلال عمليات عسكرية برية محدودة بمصاحبة ضربات جوية خاصة في مناطق سنجار وما حولها ، إلا ان الهدف غير المعلن أو السري فيتمثل بالعمل على إبقاء داعش بذات القوة في هذه المناطق والدفع باتجاه تقويتها كونها تمثل الكفة الثانية في صراع الحكومة التركية مع الاكراد فانتهاء داعش وتدميرها وخسارتها للموصل يعني خسارة الاتراك فرصة ذهبية في إطالة امد المواجهة العسكرية خارج حدودها مع الاكراد الرافضين للوجود التركي ، لذلك تلعب تركيا دورا رئيسا في امداد داعش بوسائل الاستمرار والديمومة من اجل ان لا تنتهي لعبة الشد والجذب في المنطقة خاصة وان الجميع يعلم انه اذا ما حل السلام فأن الحدود الجنوبية لتركيا ستشهد ارتفاع مؤشرات العصيان والتمرد بشكل اكثر شدة من الوقت الحاضر خاصة بعد المتغيرات الحاصلة في الشمال السوري.
تلعفر وعقد التحرير
ضمن الأهداف الأولية بعد المباشرة بعمليات تحرير الجانب الايسر من الموصل جرى تحديد قضاء تلعفر كهدف نهائي لتشكيلات الحشد الشعبي وعملت هذه التشكيلات من أجل تأمين المناطق المؤدية أو المحيطة بتلعفر ونجحت بذلك بعد تحريرها للمطار والانتقال الى مرحلة التطويق الكامل لتلعفر على امل ان تباشر كمرحلة نهائية في خوض غمار معركة تحرير المدينة من داعش وجرت تهيئة متطلبات خوض قتال المدن وأعيد تنظيم الكثير من تشكيلات الحشد الشعبي لتكون جاهزة لإنجاز هذا الواجب وحددت لمرات عديدة ساعة (س) للمباشرة بالعمليات ، إلا ان القرار السياسي كان له الأثر الأكبر في تأخير التنفيذ حيث تداخلت المبررات السياسية لتتعارض مع متطلبات الميدان العسكرية بدعاوى قد لا تكون مقبولة أو واقعية وأكثرها تكراراً وتأكيداً هي ان دخول الحشد الشعبي الى تلعفر قد يثير حفيظة اطراف أخرى مشتركة بالعملية السياسية باعتبار ان مشاركة الحشد الشعبي كعامل أساسي وحاسم في تطهير تلعفر سيأخذ وحسب زعم هذه الأطراف بعداً طائفياً باعتبار ان تلعفر ذات اغلبية شيعية وكون اغلب الفصائل المشاركة أو المنوي مشاركتها في التطهير هي فصائل شيعية . وربما يثار هنا تساؤل مشروع ما علاقة تأخير تحرير تلعفر بالعوامل التي أدت الى ابطاء عمليات تحرير الجانب الأيمن وللإجابة على هذا التساؤل نود ان نبين ما يلي :
* تحرير تلعفر المبكر كان سيؤدي بالتأكيد الى خسارة داعش لعمقها الغربي القريب .
* بقاء تلعفر بيد داعش طيلة فترة القتال الذي تجاوز الـ(200) يوم يدلل خاصة بالنسبة لمقاتلي داعش قدرتهم على الصمود.
* داعش حاول من خلال استمرار وجوده في تلعفر ان يعمل على تشتيت الجهد الرئيس للقوات القائمة بالتحرير وهذا بالتأكيد اثر كثيراً على انجاز الواجبات المطلوبة .
* لا تزال تلعفر تمثل قاعدة امينة لانطلاق عمليات انتحارية أو عسكرية من قبل داعش تجاه القوات المشاركة بالتحرير .
* بقاؤها بيد داعش يعني احتفاظ داعش بمساحات اكبر للحركة والمناورة .
وللحديث بقية …



