اراء

العراق .. في عيون الإعلام المحلي

4854

الجزء الاول

محمود الهاشمي
تؤكد الكثير من الدراسات الأكاديمية المتخصصة، سواء في الشأن الأمني أو السياسي أو النفسي أو الإعلامي ذات الصلة باستقراء علاقة القرارات والتصريحات وتأثيرها بالرأي العام وانعكاس ذلك على منظومة الأمن والاستقرار, من أن الأثر والتأثير الذي تتركه القرارات والتصريحات والرسائل الإعلامية السلبية والتي تنتج عنها انعكاسات غير مرحب بها لدى الرأي العام على المديين المتوسط والطويل يكون عميقا وشاملا وخصوصا على الاستقرار الوطني من نواحٍ عدة, يقع على رأسها التراجع التدريجي لمنسوب الثقة في النظام السياسي ككل, ومؤسسات الدولة والقائمين عليها على وجه الخصوص, من خلال افتقاد الطمأنينة والإحساس بالانتماء والولاء للأرض والوطن وتأثيره على الهوية الوطنية, وهي من وجهة نظري أهم الأسس وأبرزها مساهمة في تحقيق الاستقرار والأمن أو تتسبب في الفوضى والإخلال بالمنظومة الأمنية والسياسية. هذه المقدمة سقناها – كشاهد اكاديمي -على ما يجري في بلدنا العراق .. حيث لعب الاعلام العراقي المحلي بخلق جدار عازل تماما بين الانسان والدولة ، وذلك عبر سيل من القرارات والتصريحات والاخبار والتقارير والبرامج الحوارية التي شكلت موقفا يكاد يكون موحدا لدى الاوساط العامة (ان العراق لا علاج له) واننا – كعراقيين – نعيش في عالم من (الوحل) الذي لا خلاص منه وليس لنا الا الاستسلام والركون للقدر الذي جلب لنا (هؤلاء السياسيين الفاشلين) وان النيل منهم عبر وسائل الاعلام يشعرنا بلذة (الانتقام) وكفى.!!
عند الساعة التاسعة مساء في توقيت بغداد ، يحتار العراقيون ايا يختارون من القنوات الفضائية المحلية ، التي تقدم برامج حوارية تحت مسميات شتى تقترب من معنى واحد (لا مستور في الحوار).. هذه البرامج تستضيف نوابا ومسؤولين في الدولة العراقية ، لتشهد معارك من الحوار لم يبق صغيرة أو كبيرة في شؤون الدولة الا ووضعها وشرحها وكشفها أمام المشاهدين ،فيما يبدو الضيفان وكأنهما مصارعان في حلبة ينضحان عرقا ونحن في منازلنا ، نضحك عما حل بهم ،ونشد على ايدي مقدم البرنامج الذي حول هذين المسؤولين الى (مسخ).. وبات هذا المشهد مألوفا ننتظره جميعا وتتبادل الاسر المعلومات في اليوم الثاني عن هذا النائب أو ذاك المسؤول وما حل بهم على يد المقدم الفلاني .. وينتقل هذا الحوار الى سيارات النقل والى مواقع التواصل الاجتماعي .. حتى تحول المقدمون الى ابطال للشاشة أسوة بأبطال السينما .. وباتت اسعار شرائهم باهظة الثمن لينتقلوا من قناة الى اخرى بحثا عن أغلى الاسعار ،بل باتت هذه البرامج اشبه ما تكون بافلام الاكشن ..والسؤال الذي نطرحه:- ما الذي قدمته هذه البرامج . بما في ذلك تلك التي تفتح الاتصالات مع الجماهير ؟ الجواب لا شيء ..فمازالت التجربة السياسية في العراق على حالها ،بل العكس ،ازدادت تدهورا ،وتمر الان في اسوأ حالها فيما تزدهر اسواق البرامج الحوارية . لا شك ان فسحة الديمقراطية وفرت فرصة جيدة لحرية الاعلام ،وهذا التنوع الاعلامي جعل المواطن العراقي أمام خيارات عديدة دون ان نحشره بوسائل اعلام محدودة ،ولكن (هذه الفسحة) اصبحت سببا مباشرا في خلق حالة من الاحباط لديه ،وفقدانه الثقة باي تغيير ،وهذا الاحباط انعكس على جميع مجريات حياته ،من قلة النوم وفقدان بوصلة المستقبل وضياع الفرص ،والشعور التام انه يتخبط وسط وحل وليس دولة ،وان كل ما يراه هو اشبه بوهم وليس بحياة مهما كان شكلها ،وهذا الاحباط هو الذي دفع بالالاف من العراقيين للهروب من البلد والمغامرة وسط البحار والمحيطات للبحث عن الخلاص في دول اخرى ليغرق أو ليعيش تفاصيل الغربة والضياع !! مخطيء من يظن ان الدول الكبرى المتقدمة ليس لديها استراتيجية اعلامية وأنها تعيش فوضى اعلامية باسم (الليبرالية)، ولوكانت كذلك لما وضعوا طابوقة على أخرى !! ان الاعلام في البلدان الغربية يخضع لضوابط دقيقة وممنهجة من الصعب على المواطن العادي ادراكها ،واولها ان اغلب وسائل الاعلام ملكيتها لاصحاب رؤوس الاموال واصحاب الشركات الكبرى والمصارف ، وهؤلاء هم من يرسم المستقبل السياسي والاقتصادي للبلد . ويستقدمون اصحاب المواهب في ادارة هذه المؤسسات من اجل الحفاظ على سياسات بلدانهم واستقرارها . وان تبدو في شكلها العام وكأنها تمتلك حرية التعبير .. فالوطن حاضر في كل الميادين الاعلامية والثقافية والفكرية.. ان واحدة من مقومات الدولة وترسيخ مؤسساتها هو الاعلام ، وان تركه على الغارب يجعل الاخرين يتدخلون في شؤوننا الداخلية والخارجية . هناك وسائل اعلام بمثابة دول وبإمكانات دول وليس مؤسسات مثل البي بي سي والسي ان ان والجزيرة وغيرها .. وبإمكان اي منها ان يخلق رأيا قد يسبب مشاكل كبيرة من الصعب صدها في هذه الدولة أو تلك ..وهذه القنوات استطاعت ان تشكل ضغطا لصالح دولها ،وطالما مهدت لمشروع تم التخطيط له في مطابخهم . ان (فوضى الاعلام) في بلدنا جعلنا نرى بلدنا مجرد هشيم وأننا لا نستشعر أو نتفاعل مع الارض والماء والزرع والطبيعة والانهار .. ووقعنا بين شامت في بلده لانه يعارض العملية السياسية ،وبين محبط لا يعرف ماذا يفعل. فقد رسم الاعلام مشهدا سيئا دون ان يضع له بديلا ويوجد له حلا . وان كان ذلك سمة عامة للإعلام العربي بشكل عام ، حيث نحسن شتيمة انفسنا ونعرض فشلنا بشكل فج ونعود نلوك خسائرنا كل يوم .. ان جميع دول العالم لها تاريخ من الألم والحرمان والحروب الاهلية من طائفية أو عرقية . وخضعت للاستعمار والهزائم لكنها جعلت من هذه الهموم منطلقا وحافزا لنهضتها ، وان من السهل ان تلطم صدرك لانه لا يؤذي عدوك . لكن الشجاعة ان تلطم صدر عدوك .. فالإعلام العراقي يحسن شر الغسيل الوسخ على الحبل لكنه لا يحسن صناعة غد ابهى مشرق.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى