ثقافية

بقايا القصور

4779

غسان عباس محسن

كان يوما مهما في تاريخ تلك المنطقة الفقيرة او هكذا بدا بالنسبة للغالبية العظمى من أبنائها على اقل تقدير، فقد شكلت زيارة سياسي معروف ممن لا يراه الناس عادة الا من خلال شاشة التلفاز او عبر صفحات المواقع الالكترونية حدثاً مهماً شجع على تجمع الكثير من أولئك الناس البسطاء في المكان الذي وُجد فيه، فطوق الرجال والشبان سيارته الحديثة بأجسادهم فيما استغلت عجوز كانت ترتدي عباءة سوداء متسخة حضوره قرب منزلها، فاقتربت منه وشكت له سوء أوضاعها وضنك العيش فرد عليها بتكلف وهو يتصنع ابتسامة صفراء لاحت للناس من وراء زجاج سيارته الفارهة ثم نزوله إليها مضطراً لا راغباً وكل أمله في تلك اللحظات أن لا تلمس بدلته الثمينة بيدها المتشحة بتراب تعب السنين. وفي الوقت الذي امتدت فيه أعناق بعض النسوة من أبواب المنازل للتطلع في هيأة هذا الرجل كانت الدهشة قد أصابت عددا الصبية والأطفال فجعلوا يحلمقون فيه فأخذ بعض الرجال على عاتقهم مهمة طردهم من ذلك المكان. وبرغم دهشة بعض السكان من وجوده في مثل هذه المنطقة فإن اخرين كانوا يتوقعون مثل هذه الزيارة ليس بسبب اقتراب موسم الانتخابات ولكن لأنهم كانوا يعرفون بأن احد أخوته وهو عامل بسيط كان قد انتقل إلى هذه المنطقة منذ مدة ليست بالبعيدة. وفيما كان السياسي يهم بالاتجاه نحو المنزل المطلوب أقبل عدد من وجهاء المنطقة نحوه مرحبين مهللين، كان كبيرهم يضع عقالاً على رأسه وقد خالط الشيب شعر شاربه الرمادي يتبعه عدد من الرجال، فأحس السياسي بشيء من الارتياح وهو يرى هؤلاء الرجال كونه رأى اخيراً من ليس عليهم شيء من اثار الفقر، كما ان ابعادهم بقية الناس عنه قد ضاعف من ارتياحه لهم وبرغم ترحيبه بهم الا انه اعتذر عن الذهاب معهم كونه مشغول بزيارة قريب له، ذلك انه خجل ان يقول ان أخيه يسكن في هذه المنطقة، لكنه وعد هؤلاء الرجال بزيارة اخرى في اقرب فرصة تتاح له، ذلك ان قرب موعد الانتخابات يحتم عليه القيام بمثل هكذا أمور، فاعربوا عن ترحيبهم به متى ما جاء. ثم التفت الى هدفه المتمثل بمنزل أخيه ومضى إليه حتى وصل إلى بابه العتيق فطرقه ثم انسل الى داخل المنزل بعدما فتحت له زوجة أخيه الباب، وفيما كان يقطع المرر الضيق الذي يفضي به إلى الغرفة التي أرشدته لها تلك المرأة. كانت ملامحه قد تغيرت عما كانت عليه منذ قليل بعد ان استفسر منها عن حال زوجها وسألها عدة أسئلة، ولعله قد كره هذا اللقاء ولكن لم يكن له منه مفر تحت إلحاح أمه الشديد وكلام الناس عنه، وبرغم ذلك فقد كان يدرك جيدا ان هذا الأخ هو انسان لا تهمه الأموال ولا المناصب كما هو الحال بالنسبة لبقية الناس ولعله خشي ان يعرف السبب الحقيقي الذي من اجله قام بهذه الزيارة المفاجئة. مد يده لأخيه المقعد على كرسيه المتحرك وهو يسأله عن حاله، فرد عليه بان حمد الله وشكره على ما هو فيه، فالتفت السياسي لذلك الرجل بملامح المختبر الذي يريد ان يرغب احدهم في شيء ما وسأله: لو كررت طلبي القديم منك ان تأتي للسكن معي في احدى القصور الجميلة التي امتلكها فهل ستأتي معي؟
رفع الرجل الوقور عينيه إلى ذلك الأخ المترف ورماه بنظرة حادة وقال: سأذهب معك ولكن بشرط واحد!
ـ وما هو؟
رد عليه وهو لا يكاد يصدق تجاوب أخيه معه بعدما رفض عرضه هذا مرارا وهو يظن بان حاجته للمال او تغيرا قد طرأ في ظروفه قد دفعه لتغيير رأيه بهذا الشكل المفاجئ فأجابه: عندما تخبرني عن مصدر المال الذي اشتريت به هذه المنازل.
أجهضت ابتسامة السياسي قبل ان تكتمل وتغيرت ملامحه فبدا كالغاضب الذي ثارت ثائرته والتفت الى طريق الخروج ليبتعد عن الرجل الوحيد الذي كان يملك الجرأة ليصارحه بحقيقته، وألقى على أخيه عبارة قبل ان يخرج فقال: ستظل طوال عمرك فقيرا ثم تتسول لتحصل على لقمة تشبع بها بطنك وبطون أطفالك.
رفع الأخ المقعد يده نحو السماء وهو يرد عليه: وانت ستفقد كل ما بنيته من مال حرام ويضيع كالهباء المنثور.
وبسرعة كبيرة خرج السياسي من تلك الدار وأمر حاشيته بان يأخذوه بعيدا عن ذلك المكان ويعودوا به الى قصره وكأنه شعر في حينها بالرغبة في ان يجلس وسط ابنائه ليمتع نفسه بالنعم ويثبت لاخيه عدم صحة كلامه، فمضى موكب السيارات يقطع الشوارع ويزاحم المارة. وكان السياسي الشهير يرمق المارة من خلف زجاج سيارته بنظرة ازدراء واحتقار ويرى نفسه مصيباً وعلى حق فيما هم في خطأ وباطل. ومع اقترابه من هدفه صار قلبه يخفق بشدة اذ لمح دخانا كثيفا يتصاعد من منطقته وكأنه تنين رهيب ينشر الرعب بين اناس تلك المنطقة، وما ان وصل الى قصره حتى تأكد له ما شك فيه اذ كان الدخان يتصاعد منه فوقف كالذاهل الذي لا يكاد يصدق ما تراه عينيه، ولا يكاد يسمع الرجل الذي كان يخبره عن السبب المحتمل الذي جعل هذا الحريق ينشب، اذ صار ينظر كالمجنون الى القصر الذي احترق مع كل ما يحتويه من مال وأناس واستحالة كل ذلك الى هباء منثور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى