اخر الأخبار

الإمام موسى الكاظم (ع) زين المجتهدين وباب الحوائج

5778

إن كل واحد من أئمة الهدى من آل البيت عليهم‌ السلام هو نسخة ناطقة بمكارم أخلاق جدهم رسول الله صلى‌الله‌ عليه‌ وآله، واختصار لشخصيته بجميع عناصرها الأخلاقية والروحية والإنسانية، والإمام أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد باقر العلم بن علي زين العابدين بن الحسين السبط الشهيد بن علي أمير المؤمنين وسيد الوصيين، سابع أئمة الهدى من آل البيت الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، وقد قال أبو عبد الله الصادق عليه ‌السلام في وصف ولده أبي الحسن موسى عليه ‌السلام كلمة اختصر فيها هذه الحقيقة: انه نبعة نبوة.وعاش في ظلّ أبيه الصادق عليه ‌السلام، عقدين من عمره المبارك، وتفيّأ بظلال علوم والده الكريم ومدرسته الربّانية التي استقطبت بأشعتها النافذة العالم الإسلامي بل الإنساني أجمع. تدرّج الإمام موسى بن جعفر في طفولة زاكية مميزة، فتربّى في حجر الإسلام، ورضع من ثدي الإيمان، وتغذى من عطف أبيه الإمام الصادق، حيث أغدق عليه أشعة من روحه الطاهرة وأرشده إلى عادات الأئمة الشريفة وسلوكهم النيّر، فالتقت في سنّه المبكر جميع عناصر التربية الإسلامية السليمة، حتى أحرز في صغره جميع أنواع التهذيب والكمال والأخلاق الحميدة، ومن شبّ على شيء شاب عليه. هذه الطفولة المميزة استقبلها الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، ولِي الإمام الكاظم عليه السلام شؤون الإمامة وهو في عمر العشرين، ودامت مدة إمامته خمسة وثلاثين عاما، في ظروف صعبة وقاسية، نتيجة الممارسات الجائرة للسلطة وعلى رأسها المنصور العباسي. فلقد عاصر الامام الكاظم (ع) من خلفاء العباسيين المنصور والمهدي والهادي وهارون الرشيد، وقد إتصف حكم المنصور العباسي بالشدّة والقتل والتشريد وامتلأت سجونه بالعلويين حيث صادر أموالهم وبالغ في تعذيبهم وتشريدهم وقضى بقسوة بالغة على معظم الحركات المعارضة,ولقد عاش الإمام موسى الكاظم عليه ‌السلام ثلاثة عقود من عمره المبارك والحكم العبّاسي لمّا يستفحل، ولكنه قد عانى من الضغوط في عقده الأخير ضغوطاً قلّما عاناها أحد من أئمة أهل البيت عليهم ‌السلام من الأمويين وممن سبق الرشيد من العباسيين من حيث السجن المستمرّ والاغتيالات المتتالية حتى القتل في سبيل الله على يدي عملاء السلطة الحاكمة باسم الله ورسوله. فاستشهد سلام الله عليه في الخامس والعشرين من شهر رجب سنة 183هـ، ودُفن في مقابر قريش حيث مرقده الآن في مدينة الكاظمية..لقد جسّد الإمام الكاظم عليه السلام دور الإمامة بأجمل صورها ومعانيها، فكان أعبد أهل زمانه وأزهدهم في الدنيا وأفقههم وأعلمهم. وكان دائم التوجّه لله سبحانه حتى في أحرج الأوقات التي قضاها في سجون العباسيين حيث كان دعاؤه «اللهمَّ إنكَ تعلمُ أَني كنتُ أسألُكَ أنْ تفرِّغَنِي لعبادتِكَ وقدْ فعلْتَ فلكَ الحمدُ».كما كان للإمام عليه السلام مكانة مرموقة على صعيد معالجة قضايا العقيدة والشريعة في عصره. حيث برز في مواجهة الاتجاهات العقائدية المنحرفة والمذاهب الدينية المتطرفة والأحاديث المدسوسة من خلال عقد الحلقات المناظرات الفكرية. إنّ الإمام موسى بن جعفر عليهما ‌السلام من قمم الروح والفكر والجهاد، وصفحات حياته مليئة بالعبر والمظاهر الفذّة التي تمتلك القلوب وتستولي على المشاعر، فلقد أوتي أروع قيم الكمال وأرفع معالي الأخلاق وأجلّ مظاهر العظمة التي طبعت شخصيته الكريمة وميزتها عن سائر من عاصره في العبادة وغزارة العلم والحكمة والبلاغة والحلم والزهد والكرم والشجاعة والتقوى والخلق الرفيع، فكان رمزاً لقيم الفضيلة وشيم المروءة وقدوةً صالحة للإنسانية، ممّا جعله يمتلك أزمّة القلوب ويحظى بمحبة الناس على اختلاف مشاربهم، ويعترف له بالتقدم بالعلم والفضل حتى أعدائه،عاش الإمام الكاظم عليه السلام هذه المرحلة، واستطاع أن يملأها علماً وفكراً وروحانيةً، فترك مساهمات علمية واسعة ورصيداً معرفياً لا ينضب، فقد واصل نشاط مدرسة آبائه المعصومين عليهم ‌السلام، وكان له دور كبير في رفدها بعلومهم الغرّاء وسننهم السمحاء، مما له الأثر الفاعل في ترسيخ مبادئ العقيدة وتربية نخبة صالحة من أصحابه الرواة الثقات والفقهاء والمؤلفين أمثال: علي بن يقطين ومحمد بن أبي عمير وهشام بن الحكم وغيرهم، الذين يعدّون القاعدة المؤمنة بمرجعية الإمام عليه ‌السلام ويشكّلون الامتداد الروحي والفكري له في أوساط الأُمّة، وتتأكد الحاجة إلى مثل هذه الجماعة الصالحة في زمان الإمام الكاظم عليه‌ السلام بسبب سياسة القهر والإقصاء المفروضة عليه من السلطة,وترك الإمام الكاظم عليه ‌السلام بحوثاً كلامية وعقائدية عديدة انبرى فيها لخدمة عقائد الإسلام والدفاع عن أصوله ونشر فروعه، منها مناظراته المتضمنة تأصيل مبدأ الإمامة، وبيان حقوق أهل البيت عليهم ‌السلام، فضلاً عن سعة الرواية عنه في أبواب شرائع الإسلام كافة، كما توجه إلى تهذيب النفس والسلوك ضمن إطار قصار الحكم والمواعظ والوصايا التي خاطب بها أصحابه، وعلى رأسها وصيته إلى هشام بن الحكم المشتملة على المواعظ البليغة والحكم الرائعة والأقوال الجامعة سيما في مجال العقل وأهميته وجنوده.
ولعل من أبرز مساهماته في الحياة الإسلامية صلته الفقراء ومساعدة المحرومين في غلس الليل ، وكانت صراره يضرب بها المثل، فكان يقال: عجباً لمن جاءته صرار موسى وهو يشتكي الفقر !وكان عليه ‌السلام في السجن لا يفتر عن العبادة، يحيي الليل كلّه صلاةً وقراءةً للقرآن ودعاءاً واجتهاداً ساهراً في محراب عبادته، ويصوم النهار في أكثر الأيام، ولا يصرف وجهه من المحراب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى