النثر والشعر
اللغة العربية لغة نغميّة مموسقة بحروفها الصائتة والصامتة، الساكنة والمتحركة، بمخارجها الصوتية تباعدا وتقاربا، وبحركاتها من الضم والفتح والكسر، بتنويناتها، بكيفية تذكيرها وتأنيثها، بالترقيق والتفخيم، بالمد والقصر، وبالإمالة والإدغام والترخيم والإشباع والغُنّة، بإلغاء أحرفها الشمسية للاّمات قبلها.. وغيرها.
وقد عدّ العربُ الشعرَ تفاعلَ هذه الصفات وما يناظرها بطريقة معينة، مع إباحات تضحي بقواعد نحوية لصالح النغم الموسيقي، ومن هنا جاءت المقولة الفرنسية: (العربية لغة الشعر، والفرنسية لغة المرأة). وقد وضع الخليل تلك الإيقاعات النغمية في سواكن ومتحركات من الحروف عُرفت بالتفعيلات التي نابت مناب الرموز الموسيقية. ومن المعروف أن الشعر في الثقافات الأخرى له أنغامه وموسيقاه الخاصة به.
وقرر النقاد العرب أن النص إذا تجاوز ذلك التفاعل مع بقائه بضمن النغم والإيقاع، انتقل إلى ما يعرف بالنثر الفني وهو ما تجده عند أدباء الكُتّاب، قديما وحديثا.
ولم تنقطع سلسلة الشعر الخليلي عبر الزمن، على الرغم من ظهور منادين بالقضاء عليه في الأزمنة الحديثة، خاصة. فانتشرت نصوص لا تلتزم بالعروض الموروث. وكان لا بد من وقوع صراع بين التيارين. وفي البدء كان الاعتراض على وصف تلك النصوص بأنها شعر. ويا ليت المعنيين وقفوا عند حدود إبداء الرأي واحترام اجتهاد الآخر، ولكنهم، كالعادة الجارية بيننا، تبادلوا الإقصاء وجارح الأوصاف. مما دعا إلى ظهور نقاد اقترحوا إيجاد تسمية أخرى لهذه النصوص.
وربما كان السبب الرئيس للالتزام بمصطلح الشعر التأثر بمنزلة الشعر في الثقافة العربية، إذ هو ديوان العرب منذ أن كان الشاعر يمثل مجد القبيلة.
وثمة مؤلفات طريفة تفضل الشعر على النثر، مثل كتاب «نَضْرة الإغريض في نُصرة القريض» للمفضل بن الفضل العلوي (ت 656 هـ) بسبب الفنون البلاغية التي ينتهجها الشاعر في صوره الفنية. وربما كان هذا ردا على كتابات أخرى تنتصر للنثر. ولكننا إذا عدنا إلى الدلالات المعنوية لكل من لفظة الشعر ولفظة النثر فسنجد أن لفظة النثر تطلق على جميل الأشياء غالبا. وليس كذلك لفظة الشعر. ولنتابع:
نثر: جذر لغوي دالّ على إلقاء شيء ما بطريقة متفرقة. فأنت تقول: نثر فلان دُرَرَه، أو دراهمه، أو إبداعه، أو أفكاره، أو نثر الزهرُ عطرَه. وفي التنزيل العزيز: (إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا) ويفيد، أيضا، إلقاء الأذى والتخلص منه. فأغلب استعماله في الأشياء المحببة للناس.
شعر: يطلق غالبا على أشياء يكرهها الناس، فمن ذلك قولهم: داهية شعراء: شديدة قاسية. والشَّعْراء، بفتح الشين وسكون العين: نوع من الذباب. ومن الجذر الشعور، فإذا شعرت بشيء سواء كان حسنا أم سيئا فأنت شاعر به، فإذا نظمته على أسس الشعر وأصوله، فقد اكتسبت صفة الشاعر.
وأرى أن النص الجميل (يفرض نفسه) بغض النظر عن القدم والحداثة. ولكني حين عبرت عن رأيي هذا عارضني دعاة القضاء على الشعر الخليلي. فقلت لأحدهم، لاحقا، وأعرفه من عشاق الأغاني: ألا تدري أن الأغاني التي تهز رأسك إعجابا بها قصائد منغّمة على العروض الخليليّ؟
فسكت وهز رأسه عنادا أو حيرة.. وربما ما زال يهزه.
هادي حسن حمودي



