قراءة تحليلية لرواية (الشيطان يحكم العاصمة) للكاتب فرحات جنيدي


طارق يوسف/ ناقد مصري
حينما يمتقع وجه الشمس، ويعلوها الإصفرار، وتصيبها الرعشة، وتسقط زخات المطر قاتلة كما الطير الأبابيل فتتأرجح الحياة بين اليأس والرجاء، وما بين مد وجزر، يبحر الكاتب في روايته، ليصوغ الحياة بكل ما فيها كأنما هي دولة، في أسلوب جاذب شائق محكم الحبك في القص والسرد. وما بين التشاؤم والتفاؤل، وبين غيمة البؤس وبوارق الأمل، هكذا تكون الحياة في رواية أو تكون رواية الحياة. في رواية شيطان يحكم العاصمة والتى تحمل بين طياتها رائحة الموت ورائحة الشيطان وروائح الأماني والآمال، في غد أفضل من اليوم، وأن الآت والقادم لا بد أفضل مما مضى، وتلك تكون بداية الرجاء على أيدي أبرياء أوفياء يحملون الخير للجميع، وسيهبون كما تهب رياح التغيير والتنوير حين يحين الأوان المناسب، ولهذا أيضاً تنشأ الحروب بين الدول وبعضها البعض، وكذلك بين الشعوب وحكوماتها، أو بين العبيد والأسياد، من أجل الحرية والعدالة الإجتماعية وقبلهما من أجل كرامة الإنسانية وللتحرر من ذل العبودية.
وبرغم أن البداية أليمة في كل شيء، فالحاكم شيطاني فماذا يمكن أن يرجى أو ينتظر منه سوى البؤس والمرارة والتعذيب في كل شيء؟ والشعب مطحون لا يجد ما يقيم الأود إلا في صناديق القمامة، والرعية في فقر مدقع، حتى طبيعة الكون كله والمكان وكأنما قد تحالفت مع الشيطان، وبنو آدم يأكلون بعضهم البعض ويتغذون على لحوم البعض منهم، أو قل بنو الشيطان.
واستغلال النفوذ ذلك لأن رأس الأفعى الدون خرخور يوحي دائماً للملك أو الحاكم أن العاصمة في حالة حرب دائمة مع الخونة، وأن الإله يتحمل العبء وحده ليعيش الرعية في سلام، مع تشغيل البلطجية وإطلاقهم على الرعية في الملاجئ، لتعذيب الأبرياء وترويع الآمنين، وهذا يعبر عن حالنا نحن في ثورات الربيع العربي، وكذلك محاربتنا للإرهاب وداعش وأمثاله، ممن يحبذون حكم الشيطان، حتى الإغتسال بالماء لا يكون إلا لكبار الكهنة العظماء، أما الرعية فيدفنون كما هم، والمرأة الأربعينية تلك المرأة اللغز التي لا بد ستهز عرش الملك أو الإله نتر، والتي يتضح فيما بعد أنها إبنة الملك الأول أو الإله بابا المحبوب المشفق العطوف على رعيته، ومن منطلق خديعة الملك والإله نتر الفرعون، وتغييب العقول ليس عقول الرعية وحدهم، بل عقل الحاكم أيضاً، وبذر الخوف في عقل الحاكم من الرعية، وكذلك العكس وسياسة تكميم الأفواه، إنه نوع من أنواع الإرهاب الفكري، الذي تنمو بذوره وتبذر في العقول، ليكون هناك دائماً خوف من السادة والعبيد أوالرعية لبعضهم البعض، وتجريف العقـــول وتحريف الحقائق وتزييف التاريخ تلك حقيقة وقبس من أقباس الحكم الديكتاتوري في كـــــل العصور والعهـــود، ففرق تسد. وحتى لا يكون هناك أى تواصل أو تقارب بين الحاكم والمحكومين، أو بين الكهنة والرعية، أو بين الرعية والدولة، وحينمــــا يعلم البسطاء من الرعية الحقيقة يبزغ فجر الحرية والعدالة، وتسطع أنوار الكرامة، وحينما يجتمع الأعداء على إسقاط العاصمة الوطـــن وزرع جذور الخائن المنشود من أعداء العاصمة، ومن معه من الشباب المجندين الطامعين في المال، لتنفيذ المخطط المرسوم لإضعاف الحاكم، وتدمير قوته العسكرية، وزرع الجواسيس وتجارة الجنس ونشر المخدرات، حتى يعم العهر والرذيلة أرجاء العاصمة بهدف إسقاط الدولة.
ثم يجلس الخائن نتر على العرش، حينما تدق طبول الخيانة وتتراقص الجثث، فتحترق العاصمة مع كراهية الإنسانية وتعذيبها، حتى الإستيلاء على خزائن المال والسلاح، مع جمع المعلومات عن الجند ونشر الشائعات والأقاويل الكاذبة بين الرعية، والكل في النهاية يخضع للمرأة الأربعينية، حتى يقضى الله أمراً كان مفعولا.
ويشاء القدر أن تبدأ بوادر المعركة الفاصلة بين الظلم والعدل والخير والشر، بزرع الأمل فيهم وتطهرهم من الخوف، فلا بد لصانع المر أن يتذوقه، برغم موجات الجفاف والمجاعات الخاصة التي ضربت العاصمة، وتضافر الأغنياء مع الفقراء ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ونهب الملك لما يملكون فساوى بينهم في الملاجئ، مع إستمراره في جبروته حتى لا تقوم لهم قائمة، حتى ولو كان ذلك بمصارعة الكلاب، من أجل الحصول على مؤونة الإله من لحم الحمير، فقوانين الإله نتر تحرم قتل الكلاب ولكنها تبيح قتل الرعية، فأى ظلم يمكن أن يكون بعد هذا.
ثم يبدأ الإعداد للمعركة الكبرى من أجل الحرية والكرامة والعدل، وزرع بوادر الأمل بين الرعية، وأيضاً الإعداد لخطة القضاء على الظلم والظالمين، وظواهر تفشى الجوع والخوف والمرض والجهل بين الرعية، وما أن تقترب ساعة الخلاص فينقض الثوار من الرعية على الحاكم الظالم، ولكي يكون الإنتصار لا بدّ من عبور الوادي المظلم أو النفق المظلم أو وادي الخوف، وكذلك لا بد أن تحترق العاصمة بأيدي الخونة، ولكل معركة لا بد من ضحايا ولا يدفع ثمنها إلا الأبرياء. وحتى يخوض المخلص معركة الأمل، من العيش في خريف الوطن، وحتى يبزغ ربيع الوطن من جديد، فيبدو الوجه الثاني للحقيقة، فذلك الطريق إلى الخلاص، وعلى المخلص إذن أن يكمل ما بدأه، بتحقيق حلمه للرعية، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، أو أن يكون مثلهم ويتنازل عن بطولته الزائفة، وإلا نكون في إنتصار وإنتظار ظلم أكبر وأشد، مع مواجهة موت لا نعرفه بدلاً من موت نعرفه، والبكاء على ماضٍ لم نجنِ منه سوى البؤس والمرارة، إن لم تكن هناك صحوة التطهير للنفوس والعقول، وخوفاً من مجهول في مواجهة حرب داخلية أشرس ضراوة وأجسر خطراً.
وهكذا فمن كانت بدايته بالله فلا بدّ أن تكون نهايته بالله، ومن كانت بدايته بالقتل والخيانة لا بد أن تكون نهايته بالقتل والخيانة، ومن كانت بدايته بالشيطان لا بد أن تكون نهايته بالشيطان، فذلك ناموس الحياة، حينما يعم الجوع والخوف والمرض والجهل وينتشر الفساد والبغاة. وكما تكون بداية الظالم بالبغي، تكون نهايته بالبغي على يد من هو أظلم منه، ذلك هو المغزى والدرس المستفاد من تلك الرواية.
وأخيراً تتميز الرواية بأن كل فصل فيها يصلح لأن يكون قصة منفصلة، إلا أنه يجمعها الإطار العام في الإيحاء الجمعي العام والشكل الروائي الهادف، وذلك هو الوعي المنشود المقصود من الأدب الراقي.



