اخر الأخبار

التبليغ وكيفيته في نظر قائد الثورة «دام ظله»

4210

إنّ تبليغ الدِّين عمل جادّ وحسّاس كالصراط،حيث يقود أدنى إنحراف إلى نتائج معكوسة،فيرسل المخاطَب إلى النار بدلاً من الجنّة،ويجعله ينفر من الدِّين بدلاً من أن يحبّب الله والدين إليه،ويزرع فيه الأحقاد واللا مبالاة تجاه الدين. لذلك ينبغي للمبلِّغ الدينيّ ألا يستصغر عمله،فينظر إليه كما ينظر إلى النشاطات العادية ليبقى غريباً عنه.وفي هذا الإطار نشير إلى بعض النقاط الضرورية منها:يجب أن يكون المضمون التبليغيّ متقناً قوياً وليس ضعيفاً وركيكاً،بحيث ينهار بأدنى انتقاد،ويمكن أن يكون محتوى الكلام سهلاً لكن يجب أن يكون متقناً،ويؤكد الإمام(دام ظله):”ارتقاء المنبر يستدعي المطالعة،والمنبر دون مطالعة معناه أنّنا نطرح على الناس همّنا وغمّنا،الأمر الّذي يستبطن أنّنا لا نهتمّ بالناس”. ولا يفوت الإمام(دام ظله) أن ينبه على كيفية التبليغ وعدم الإكثار إذ يقول:”على المبلِّغ الدِّينيّ أن يهتم بكيفيّة تبليغه,فالإكثار يمنعه من إتقان الكلام”فيوجه الإمام (دام ظله) الخطباء على ضوء ما تقدم وينصحهم عدة نصائح هي:”ليجعل(أي المبلغ أو الخطيب) التفرّغ للمطالعة والبحث أصلاً في نشاطه.ولو انعكس ذلك سلبياً على عدد الخطب أو المؤلّفات؛ لتكن الأقوال والتصريحات علمية ،اجتنبوا الهزيل من القول ولا ترتقوا المنبر دون مطالعة.اطّلعوا على آخر وأفضل الأقوال المتعلقة بالقضايا الإسلاميّة. وقد يسفر ذلك عن تقليل خطاباتنا،لكن لا إشكال في ذلك،فهذه الوظيفة تحتّم على المرء لكي يتحدّث جيّداً أن يقلّل كلامه”.
أما الإقناع ولو بطول المدة فلا يفوت الإمام الخامنئي(دام ظله) التنبيه إليه إذ يقول:”يجب ألا تتلاشى تأثيرات التبليغ الدِّينيّ بسرعة،كمن يحدث فقّاعات على سطح الماء لا تلبث أن تختفي،فعلى المبلِّغ الدينيّ أن يسعى لإطالة مدى تأثيرات عمله أو يجعلها باقية،فيستوعب عقل المخاطَب وقلبه ويصوغ – استدلالياً – قناعاته،لا أن يصوغها حماسياً وفوضوياً ويجعل ذلك برهاناً على صحّة عمله”. ثم يردف:”على مبلِّغنا – ذلك المرء الّذي يخاطب الناس – أن يتحدّث مع الناس بأمور تثري أذهانهم لمدّة يُعتد بها،لا أن يتلاشى جهده التبليغيّ بكلمة أو بشعار أو بكتيّب.فالمشكلة تكمن في أنّنا نوصل – أحياناً – المفاهيم إلى أذهان الناس بطريقة طوباوية(خيالية بعيدة عن الواقع)،فيأتي الآخرون – ودون ضجيج – ليمحوا كلّ ما أوصلناه!،إنّها مشكلتنا الكبيرة حتّى الآن”.
يجب ألا يدور المضمون التبليغيّ في فراغٍ وخارج زمانه،وكأنه مجرّدات عقلية لا صلة لها بحاجات المجتمع،فليتّخذ المبلِّغ الدينيّ مقتضيات الزمان معياراً لمطالعاته وخياراته،ويطابق خطابه معها, لا بدّ للمبلِّغ الدِّينيّ من معرفة الدِّين جيّداً ليبلِّغه للناس،متحاشياً الإفراط والتفريط.فلا يستند إلى جانب من الدِّين وينسى أبعاداً أخرى منه،فالدِّين في شكله الجامع أساس للسعادة الإنسانية.لكن الإفراط في التركيز على أحد أبعاد الدِّين يعكس صورة كاريكاتيرية ومزيّفة عنه وتترتّب مخاطر على الوضع الدِّينيّ للمجتمع,ولا بدّ من مراعاة الأهمّ ثمّ المهمّ في مضمون الكلام،فلا نكتفي بصحّة الموضوع وحسنه،فالتبليغ يجب أن يتطابق مع الحاجات الفورية والأولية للمخاطبين.إذ على المبلِّغ الدِّينيّ أن يعدّ نفسه كالطبيب العالم والحكيم العاقل،فيتمعّن بعمق في مريضه ليشخّص داءه،ثم يصنّف أمراضه فيبدأ بعلاج الأمراض الخطيرة والمميتة،ولا ينشغل بالآلام الخفيفة والأمراض البسيطة وعن هذا يتحدث الإمام الخامنئي(دام ظله):”علينا أن نتحدّث بالأهمّ،فقد يكون الموضوع جيّداً جدّاً لكنّه غير مهمّ، إذا كان شخص بحاجة إلى من ينقذ حياته،فهل من الصحيح أن تحدّثوه – مثلاً – عن العناية بنظافة الفم والأسنان؟.إنّ نظافة الفم والأسنان أمر ضروريّ،لكنّ هذا الشخص يعاني من مرض قاتل.اهتمّوا بالقضايا ذات الأهمّية،والأهمّ هو الّذي يجب أن يقال”.
لا بدّ للمبلِّغ الدينيّ من أن يعتمد أسلوب التحاور اللّين،ويتحاشى التكفير والاتّهام،إنّ تكفير الآخرين لا يحلّ المشاكل بل يكرّسها ويضاعفها،ويُضفي طابع المظلومية والبراءة على الأفكار المسمومة،فيضعها وسط هالة زائفة من القدسية فيتجمّع حولها الأنصار والمؤمنون بها.وللأسف كان لظهور وتنامي الفرق الضالّة في تاريخ بلدنا ارتباط بهذا النمط من التعامل، فكلّما حلّ التكفير محلّ المنطق وقعت مخاطر عظيمة.والتجربة التاريخية عبرة لمبلِّغينا,فالالتفات إلى هذه النقاط يقتضي من المبلِّغين أن يردّوا على الأفكار المنحرفة بالمنطق والنتاجات الفكرية الغزيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى