الحياء في منظومة القيم الإسلامية


اشتهرت على ألسنة الناس مقولة تنسب إلى رسول الله، هي: “لا حياء في الدين”. وقد ظهر لي بعد تتبّع- لا أدّعي سعته- أنّ هذه المقولة لا أصل لها في كتب الرواية المعتبرة عند المسلمين شيعة وسنّة. وقد نفى بعض المهتمّين صدورها عن رسول الله. لكن بغضّ النظر عن صحّة نسبة هذا النصّ إلى النبيّ هل يمكن تصحيح هذه القاعدة وقبول ما تدلّ عليه؟
في الإجابة يمكن القول: إذا كان المراد من القاعدة أن لا يستحيي الإنسان من السؤال عمّا يجهله من الدين، أو أن لا يستحيي معلّم الدين من تعليم ما ينبغي تعليمه من الدين، فربّما يمكن تصحيح هذا المعنى إلى حدود؛ لأنّ الحياء صفة حسنة بحسب ما هو المستقرّ المعروف في منظومة القيم الإسلامية. وما أجمل أن يقترن تعلّم الدين وتعليمه بالحياء!1، وما أجمل أن يقترن السؤال والجواب بالخفر!!. وقد حصل ذلك مع رسول الله في بعض الحالات، كما سيتبين لاحقاً.
لنستعرض ما يدلّ على أهميّة هذه القيمة السلوكية ودورها في التديّن وأثرها في سائر الأخلاق الفاضلة. ونبدأ- أولاً- بالحديث عن الحياء في القرآن ثم نختم بإشارتين تكشفان عن أهميّة الحياء وموقعه في الدين؛ وذلك بعرض نماذج لآثار الحياء في الأحكام الفقهيّة، وإشارة إلى الحياء في السنّة الشريفة.عرض القرآن الكريم موضوع الحياء في أكثر من آية. وهذا يدل على أهميّته وموقعه في منظومة الأخلاق الإسلامية؛ وذلك وفق الملاحظات الآتية:
الحياء خلق فطريّ
تنقسم الأخلاق التي يتّصف بها الإنسان إلى قسمين: فطريّة وكسبية يتعلّمها الإنسان بالتربية والتدريب. والحياء خلق من النوع الأول بحسب ما يشير إليه قوله تعالى: {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ} (سورة طه، الآية 121),ولأنّ بعض الأخلاق الفطرية قد يزول إذا لم يجرِ تعهده بالحفظ والتربية، فكثيرة هي الأخلاق الفطرية التي تتبدّل بعد التربية المضادّة.
الحياء ممدوح
بعض الأمور قد تكون فطريّة، ولكنّها قد لا تكون حسنة ولا سيّئة؛ ومن هنا لا يكتفي القرآن بالإشارة إلى أنّ الحياء أمر فطريّ، بل نجد أنّه يمدح هذه الصفة بشكل مباشر وغير مباشر. فمثلًا عندما يحدّثنا الله سبحانه عن ابنة شعيب إذ جاءت تدعو النبيّ موسى إلى بيت أبيها يقول: {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء} (سورة القصص، الآية25). ويشير في هذه الآية إلى خصلة الحياء عندها. ولا شكّ في أنّ لهذه الإشارة دلالتها؛ إذ ليس من عادة القرآن أن يعرض في القصص تفاصيل ليس وراءها غرض أو هدف تربويّ.
الحياء من أخلاق الأنبياء
ممّا يدلّ على أهميّة الحياء في الأخلاق الإسلامية أنّ القرآن يبيّن لنا أنّه خُلُق من أخلاق الأنبياء، فخاتم النبيّين محمد كان يتّصف بهذه الصفة وكان يتصرّف على ضوئها رغم الأذى والإزعاج الذي كان يتعرّض له؛ إذ كان بعض أصحابه يقتحم عليه بيته، وينظر إلى طعامه، فيضطر النبيّ إلى دعوته، ولو على حساب وقته وراحته.
الحياء خصلة إنسانيّة عامّة
تميّز بعض المجتمعات الإسلامية المعاصرة في تقويم الحياء بحسب الجنس، فعُدّ الحياء خصلة حسنة للنساء وقبيحة أو بالحد الأدنى غير مطلوبة للرجال.
الحياء قيمة سلوكيّة عامّة
تربط الأعراف الاجتماعيّة بين الحياء وبين الجنس وما يتعلّق به، وكأنّ السلوك الجنسيّ وحده هو ما ينبغي الحياء منه. لكن القرآن الكريم يبيّن أنّ الحياء صفة حسنة في هذا الميدان وفي غيره من الميادين.
حدود الحياء
الحياء قيمة إيجابية ما لم يتحوّل إلى خجل مرضيٍّ كما أشرنا سابقًا، وما لم يعارض قيمة أخرى كبيان الحقّ. فعندما نتأمّل كتاب الله- سبحانه- لنقتبس منه أخلاق الله ونتخلّق بها.
عدم إعاقة الحياء عن أداء الواجبات
وأخيراً، رغم أنّ الحياء حاجز يمنع الإنسان من الوقوع في ما لا يتناسب مع مقام إنسانيّته، ورادع يحول بينه وبين التورّط في ما لا يليق به، ولكنّه يحجزه ولا يمنعه عن القيام بواجباته.



