الإنتخابات بين الغباء والشيطنة !
قديما قيل : يريد الأحمق أن ينفع فيضر، والحمق صنو الغباء، ولعل من أعظم البلاءات؛ التي ابتليت بها العملية السياسية في العراق؛ هو صفة الغباء في معالجة القضايا، لاسيما المعقدة والمصيرية منها، أو تلك التي تتعلق ببناء الدولة، فكانت أضرار سياسة الغباء في المعالجة؛ عندنا أكثر ممّا تحتمل.
إذا شئنا تقديم مثال على الغباء السياسي، فليس هنالك من مثال؛ أنصع من إجراء إنتخابات مجالس المحافظات ومجلس النواب؛ على دفعتين يفصل بينهما سنتان.
لقد كان هناك سببان لإتخاذ هذا الإجراء، كما أعلن في حينه، الأول هو إعطاء مفوضية الإنتخابات “فسحة” من الوقت؛ تجعلها تتصرف على راحتها، لتنظيم إنتخابات تتوفر مخرجاتها، على الحد المقبول من المعايير، لا سيما أن تجربة المفوضية كانت لما تزل وليدة، وأنها بحاجة الى المشي بـ”تاتي تواتي”.
الثاني هو أن العقلية الشيطانية التي أستحكمت بالمفوضية، سعت الى هذا الأسلوب بفصل العمليتين الإنتخابيتين، حتى يزداد الإنفاق المالي على العمليات الإنتخابية، وتزداد معها الغلة التي سيحصدها الفاسدون واللصوص، المتغلغلون في جسد المفوضية.
لكن النتيجة السياسية السلبية لهذا الإجراء، بشقيه الغبي والشيطاني؛ هو أن الفاصل الزمني بين العمليتين، والذي يبلغ سنتين بين عملية وعملية إنتخابية، أوجد مجالس محافظات ومجلس نواب وحكومة، ليست منسجمة مع بعضها!
الحكومات ومنذ “ساعة السودة” في 2003، بنيت على مبدأ التوافق السياسي، فيما مجالس المحافظات تركت لحسابات القوة الإنتخابية الميدانية، وهذا يعني أن مجالس المحافظات؛ أكثر تمثيلا للشعب من الحكومة ومجلس النواب.
إنعكس هذا التنافر على التخصيصات المالية للمحافظات، كما إنعكس على الخدمات المقدمة لمواطني المحافظات، وحصر الحكومة المركزية الصلاحيات بيدها، وقتّرت على المحافظات، فيما فتحت كيس المنافع على موظفيها، والدليل أن رواتب موظفي مجلس النواب ومجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية، تمثل قرابة أربعة أضعاف الموظفين الآخرين في الدولة، وأغلبهم طبعا في المحافظات..!
بدت الصورة أيضا؛ أن بغداد بحكومتها المركزية؛ بعيدة جدا عن المحافظات، وتلك معضلة لن تحل، إلا بإجراء إنتخابات مجالس المحافظات ومجلس النواب دفعة واحدة ، لنشهد بعدها حدا أدنى على الأقل من الإنسجام.! كلام قبل السلام: إنها لمفارقة أن يكون “المحلي” منسجما مع نفسه، فيما “الوطني” صريع الإختلافات، التي ما لبثت أن تفجرت الى خلافات، كما هو حاصل الآن بين الكتل السياسية، ومن نتائج تلك المفارقة، أن يحصل تنافر واضح وكبير، بين مجالس المحافظات والحكومة..!
سلام…
قاسم العجرش
qasim_200@yahoo.com



