تمني زوال نعمة الغير
الحسد : تمني زوال نعمة الغير ، وله صور : فإن الحاسد : إما أن يتمنى زوالها عن الغير فقط ، أو يتمنى مع ذلك انتقالها إليه ، وعلى التقديرين : إما أن يصدر منه حركة من قول أو فعل على طبق تمنيه ، أو لا يصدر ، وعلى أي حال فحقيقة الحسد تلك الصفة النفسية ، ولها مراتب في الشدة والضعف وصدور الحركات الخارجية من آثارها ومقتضياتها. والظاهر أنه من الطبائع المودعة في باطن جميع الناس وتتزايد في عدة منهم ، وتتناقص في آخرين بملاحظة اختلافهم في التوجه إلى النفس ومراقبة حالها ومجاهدتها ، ويترتب عليها آثار كثيرة مختلفة ، بعضها مذموم وبعضها محرم ، وبعضها كفر وشرك ، ونعوذ بالله من الجميع. وظاهر أكثر الأصحاب حرمة الحسد وترتب العقوبة عليه مطلقاً ، ظهر في الخارج أم لا ، وظاهر آخرين أنه لا يحرم ما لم يظهر بقول أو فعل ؛ لأنهم صرحوا بأن الحرمة والعقوبة تترتبان على الأفعال البدنية دون الصفات والملكات النفسية ، لكن الظاهر من بعض النصوص ترتب العقوبة على بعض الصفات القلبية أيضاً وإن لم يترتب عليه حكم تكليفي ، فاللازم أن يفرق بين الحرمة والعقوبة كما ذكروا ذلك ، وللبحث عنه محل آخر. والحسد من أخبث الصفات وأقبح الطبائع ، وهو من القبائح العقلية والشرعية ، فإنه في الحقيقة سخط لقضاء الله واعتراض لنظام أمره وكراهة لإحسانه ، وتفضيل بعض عباده على بعض ، ويفترق عن الغبطة الممدوحة ، بأن الحاسد يُحبّ زوال نعمة الغير والغابط يحب بقاءها ، لكنه يتمنى مثلها أو ما فوقها لنفسه. وللحسد أسباب كثيرة : عداوة المحسود مخافة أن يتعزز ويتفاخر عليه ، وتكبره على المحسود وتعجبه من نيل المحسود بتلك النعمة ، وحب الرئاسة على المحسود ، فيخاف عدم إمكانها حينئذ ، وغير ذلك. ومن آثاره تألم الحاسد باطناً ، ووقوعه في ذلك العذاب دائماً ، ولذا قال علي عليه السلام : لله در الحسد حيث بدأ بصاحبه فقتله . فقد ورد في الكتاب العزيز قوله : ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) وقوله تعالى في مقام أمره بالإستعاذة : ( ومن شر حاسد إذا حسد ). وورد في النصوص : أن الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب. وأنه : كاد الحسد يغلب القدر. ( وهذا مبالغة في تأثير عمل الحسود في زوال نعمة المحسود وقد قدرها الله تعالى له ) وأن آفة الدين الحسد . وأن الله قال لموسى عليه السلام : ( لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي ، ولا تمدن عينيك إلى ذلك ، ولا تتبعه نفسك ، فإن الحاسد ساخط لنعمي ، صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي ، ومن يك كذلك فلست منه وليس مني ).



