اخر الأخبار

الحرب الناعمة الأسس النظرية والتطبيقية

3855

الجزء الثامن والعشرون

أبحاث النفس والدماغ تدخل ميدان
الحرب الناعمة
تعد الاستخبارات الأمريكية CIA ووزارة الدفاع البنتاغون أول من بدأ برعاية أبحاث ومحاولات للسيطرة على الدماغ والعقل البشري والإدراك الحسي من خلال تطوير وسائل وتقنيات مادية كيمياوية / إلكترونية / كهرمغناطيسية /… بهدف تجنيده وتوجيهه وضبط سلوكه وفقا للأجندات والمشاريع والأهداف الأميركية. بدأت التجربة عن طريق عمليات نفسية وحسية لبرمجة وعي وسلوك المجندين والعملاء والجواسيس الذين يعملون مع وكالة CIA، ومن ثم حصلت عمليات على أسرى العدو أثناء إجراء التحقيقات بهدف انتزاع المعلومات، رغبة في تحويلهم إلى عملاء مزدوجين ولضمان أعلى درجات الثقة بهم من الكوريين والكوبيين وغيرهم. وتواصلت المحاولات مستعينة بأمهر الأطباء وعلماء النفس، وشارك فيها أكثر من 44 جامعة و12 مؤسسة استشفائية وطبية، وبقيت طي الكتمان حتى عام 1977 حين كشفت عنها صحيفة النيويورك تايمز على غلاف صفحتها الأولى تحت عنوان صادم “CIA تسعى لأسر واستعباد العقل البشري”، وقد أثارت هذه القضية آنذاك ضجة كبيرة في الاوساط الاميركية والعالمية، وقد عطلت مجموعة عوامل سير هذه الابحاث، ومنها كلفتها المالية والبشرية العالية وعدم ضمان وموثوقية نتائجها، والمعارضة الشديدة التي واجهتها بعد انكشاف أمرها)، فانتقلت هذه المحاولات نحو البحث في حقول التأثير والبرمجة بالوسائل النفسية وما فوق النفسية البارابسيكولوجي عبر استغلال آخر ما توصلت اليه أبحاث الدماغ وتسخير أدوات الجيل الرابع من وسائل الاتصال والإعلام والمعلومات.. وفي العام 1995 أجرت وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون ابحاثاً على الفص الأيمن من الدماغ حيث توجد القشرة المتكونة حديثاً Neocortical التي يمكن تشبيهها بمنظومة إعلامية تستقبل المؤثرات الخارجية, وتساهم في إحداث تأثيرات عميقة في العقد العصبونية Neural Nodes للعقل البشري . وتطورات الأبحاث من مستوى الفرضيات الى مستوى النظريات التي تؤكد وجود تأثيرات حقيقية على المشاهد للتكنولوجيا من خلال حلقات رباعية مترابطة يرمز إليها بـ OODA والتي تلخص أربع آليات يمارسها الذهن البشري وفق الآتي:
1ـ مراقبةObserve 2ـ توجيه Orient 3ـ قرار Decide 4ـ فعل Act.
وتعمل وسائل الإعلام والتواصل على إحداث الخلل والاضطراب في آلية عمل تلك الحلقات بهدف إحداث التأخير في نمطه عملها الدوري. وقدمت دراسات وأبحاث اعتمدت أحدث انجازات المدرسة السلوكية الأميركية التي ترتكز على عقيدة تقول “ان صناعة بيئة محددة تحمل منظومة من القيم سيعطي نتائج محددة من السلوكيات” تلك البيئة تتم صناعتها بمساعدة علوم البرمجيات اللغوية وعلوم أعصاب الدماغ والبارابسيكولوجي ونشرها عبر منجزات تكنولوجيا الإعلام والاتصال التي بلغت ذروتها في العقدين الأخيرين . وقد توسعت الأبحاث من التفكير في إرباك وبرمجة عقل شخص أو مجموعة أشخاص إلى مستوى برمجة وتضليل وتوجيه سلوك رأي عام وعقل جماعي وعقل نظام سياسي، وشعب كامل، وكذلك استهداف جيوش ودول وأحزاب ومنظمات… واستعيرت للغاية بعض التقنيات والوسائل التي كانت تعتمد في الاستجوابات العسكرية وفي الحرب الصلبة وفق عقيدة الصدمة والترهيب المتغلغل في العقل الأميركي لتمتد تأثيراته إلى التطبيقات السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية، وجرى تطبيقها في برامج الحرب الناعمة . فكما يؤخذ الشخص الخاضع وفق تقنية الاستجوابات العسكرية عبـر مهاجمته بألوان وأصناف المؤثرات والصدمات والتهديدات الحسية والصلبة وكذلك ألوان وأصناف المؤثرات والإغراءات والإغواءات لـ “شل جهازه الفكري وتحطيم معنوياته والمس بمعتقداته الإيمانية والدينية وتشتيت قدرته على التركيز والوعي وسلبه لإرادته” كما جاء حرفياً في وثيقة كراس الاستجوابات لدى [CIA]. ويتم الأمر على وفق جرعات تتناسب مع مراحل وحاجات التحقيق للسيطرة على وعي المستجوب وإرادته لكي يستسلم للمحققين ويدلي بكل ما يريدون….فان الشيء نفسه يحدث في حالة القوة الناعمة من خلال السعي للسيطرة على حالة جماهيرية أو شعبية عامة سواء كانت دولة أو حزبا عبر أسرها وأخذها رهينة ومهاجمتها بكل الوسائل بغية العبث بوظيفتها الطبيعية وتوجيهها نحو السلوك المستهدف، فيتم توجيه مجموعة من المؤثرات المتناسبة مع مقتضى الحال وظيفتها الفعلية إزالة ومحو وتنظيف المكونات الذهنية والنفسية السابقة للفرد أو الجماعة والبدء بعملية القيادة النفسية والفكرية عبر التلاعب بالمشاعر العامة وتضليل العقل الجمعي وتدمير وجرثمة – من مصدر مفردة جرثومة – الروح الجمعية العامة، خاصة أن التقنيات الموظفة حالياً معقدة وماكرة لدرجة لا تصدق، فهي قادرة على دحر كل الدفاعات والموانع الطبيعية للإنسان على وفق تعبير الباحث ويلسون براين صاحب كتاب “خفايا الاستغلال الجنسي في وسائل الإعلام” .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى