اخر الأخباراوراق المراقب

قراءة في كلمات سيد الشهداء (ع) عند خروجه إلى كربلاء

صباح الصافي..

تكشف كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) عند خروجه إلى العراق، حقيقة النَّهضة الحسينيَّة وأبعادها الرِّساليَّة. فهذه الكلمات كانت خطابًا متكاملًا أعاد صياغة مفاهيم الموت، والشَّهادة، والصَّبر، والرِّضا، والتَّكليف، ضمن رؤيةٍ تنطلق من التَّوحيد الخالص، والوعي الكامل بالمصير.

لقد قدَّم سيِّد الشهداء (عليه السلام) في خطابه، قراءةً مختلفة للحياة والموت؛ فقد نظر إلى الموت باعتباره جسرًا نحو لقاء الله (تبارك وتعالى)، وطريقًا لحفظ الدِّين وإحياء القيم. ومن هنا تحوَّل الموت في الوعي الحسيني من مصدر خوفٍ إلى عنوان كرامة، وتحوَّلت الشَّهادة من خسارةٍ ظاهريَّة إلى قمَّة الانتصار الإلهي والخلود الإنساني.

كما تبيِّن هذه الكلمات عن مقامٍ رفيع من التَّسليم والرِّضا بالقضاء، وعن معرفةٍ بحتميَّة الطَّريق وما ينتظر أهل البيت (عليهم السلام) من البلاء والتَّضحية. ومع ذلك، مضى الإمام (عليه السلام) ثابتًا مطمئنًّا؛ لأنَّه كان يرى في ذلك المصير تحقيقًا للإرادة الإلهيَّة، وإحياءً لجوهر الرِّسالة المحمَّديَّة.

وفي ضوء التَّأمُّل في هذا الخطاب تتجلَّى أمامنا معالم المدرسة الحسينيَّة في بناء الإنسان المؤمن؛ الإنسان الذي يتحرَّر من هيمنة الدُّنيا، ويتهيَّأ لبذل مهجته في سبيل الحقِّ. ولذلك بقيت كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) حيَّةً في ضمير الأُمَّة، تستمدُّ منها الأجيال معاني العزَّة والوعي والثَّبات، وتكتشف فيها أسرار النَّهضة التي غيَّرت مسار التَّأريخ. وهنا سنركِّز على واحدة من الخطب التي قالها (عليه السلام) لَمَّا عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ إلَى الْعِرَاقِ؛ فقد روي أنَّه قَامَ خَطِيبًا، فَقَال (عليه السلام): “الْحَمْدُ لِلّهِ وما شاءَ اللهُ، وَلا قُوَّةَ إِلًا بِاللهِ، وَصَلَّى اللهُ عَلى رَسُولِهِ، خُطَّ الْمَوْتُ عَلى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلادَةِ عَلى جيدِ الْفَتاةِ، وَما أَوْلَهَني إِلى أَسْلافي اشْتِياقَ يَعْقُوبَ إِلى يُوسُفَ، وَخيِّرَ لي مَصْرَعٌ أَنَا لاقيهِ، كَأَنّي بِأَوْصالي تُقَطِّعُها عُسْلانُ الْفَلَواتِ بَيْنَ النَّواويسِ وَكَرْبَلاءَ، فَيَمْلأَنَّ مِنِّي أَكْراشاً جَوفاً وَأَجْرِبَةً سُغْباً، لا مَحيصَ عَنْ يَوْم، خُطَّ بِالْقَلَمِ، رِضىَ اللهِ رِضانا أَهْلَ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلى بَلائِهِ وَيُوَفِّينا أُجُورَ الصَّابِرينَ، لَنْ تَشُذَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله) لُحْمَتُهُ، وَهِيَ مَجْمُوعَةٌ لَهُ في حَظيرَةِ الْقُدْسِ، تَقَرُّ بِهِمْ عَيْنُهُ، وَيُنْجَزُ بِهِمْ وَعْدُهُ، مَنْ كانَ باذِلاً فينا مُهْجَتَهُ، وَمُوَطِّناً عَلى لِقاءِ اللهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنا فَإِنّي راحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شاءَ اللّهُ (تَعالى).

الموت في الخطاب الحسيني

يعيش الإنسان بطبيعته حالةً من التَّعلُّق بالحياة، ويغلب عليه طول الأمل والنُّفور من فكرة الموت؛ لأنَّه يرى في الموت انقطاعًا عمَّا ألفه من الدُّنيا ولذَّاتها وعلاقاته. ومن هنا يتسرَّب الخوف إلى أعماق النَّفس كلَّما ذُكر الموت، إلَّا أنَّ خطاب القرآن الكريم والمعصومين (عليهم السلام)، ومنهم الإمام الحسين (عليه السلام قدَّم الموت على أنَّه سنَّة إلهيَّة حتميَّة ترافق الإنسان منذ بداية وجوده، وطريق لا بدَّ لكلِّ نفسٍ من عبوره).

وقد عبَّر الإمام الحسين (عليه السلام) عن هذه الحقيقة بأسلوبٍ بليغ في قوله: “خُطَّ الْمَوْتُ عَلى وُلْدِ آدَمَ”، وبهذا الأسلوب ينقل الإمام (عليه السلام) الإنسان من حالة الهلع من الموت إلى حالة الوعي بحتميَّته، ليصبح الموت حقيقةً يُتعامل معها بقلبٍ مطمئن وبصيرةٍ واعية، لا بوهم الهروب وطول الأمل.

وتتَّفق هذه الرُّؤية مع بيان القرآن الكريم الذي يؤكِّد هذه الحقيقة في قول الله (تعالى): (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)؛ حيث يعبِّر النَّصُّ القرآني بصيغة العموم والاستغراق عن حتميَّة الفناء لكلِّ كائنٍ، دون استثناء، كما ينسجم ذلك مع ما ورد في (نهج البلاغة) عن الإمام عليِّ بن أبي طالب (عليهما السلام): “الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ لَا دَارُ مَقَرٍّ والنَّاسُ فِيهَا رَجُلَانِ: رَجُلٌ بَاعَ فِيهَا نَفْسَه فَأَوْبَقَهَا، ورَجُلٌ ابْتَاعَ نَفْسَه فَأَعْتَقَهَا”، وهو تعبير يرسِّخ فكرة العبور المؤقَّت في الحياة الدُّنيا، ويضع الموت في سياقه الطَّبيعي بوصفه انتقالًا لا انقطاعًا.

غير أنَّ خصوصيَّة خطاب المعصوم (عليه السلام) لا تقف عند حدود تقرير حتميَّة الموت، وتتجاوز ذلك إلى إعادة تقديمه ضمن أفقٍ مختلف. فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يكتفِ بتأكيد ملازمة الموت للإنسان، وإنَّما صاغ هذه الحقيقة في صورةٍ تنبض بالجمال والطَّمأنينة، حين قال: “خُطَّ الْمَوْتُ عَلى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلادَةِ عَلى جيدِ الْفَتاةِ”؛ فقد رسم صورةً بالغة الجمال؛ فالقلادة في الوجدان الإنساني هي رمز للزِّينة والكمال. ومن خلال هذا التَّشبيه، ينتقل الحديث عن الموت من دائرة الفزع والوحشة إلى أفقٍ مختلفٍ تمامًا، حيث يُقدَّم بوصفه حقيقةً ملازمةً للإنسان ملازمةَ القلادة لعنق الفتاة، لا بوصفه نهايةً عبثيَّةً أو حدثًا مخيفًا ينبغي الهروب منه. وكأنَّ الإمام (عليه السلام) يريد أن يهيّئ النُّفوس لتبنِّي رؤيةٍ أكثر وعيًا وطمأنينةً اتِّجاه الموت؛ رؤيةٍ تكشف ما وراء ظاهره من المعاني السَّامية، فتجعله محطةً ذات قيمة ورسالة، لا مصدرًا للرُّعب والاضطراب.

وهذه التَّشبيه يجد أصوله وامتداده في النُّصوص الشَّريفة؛ فالآيات القرآنيَّة كثيرة في هذا المجال؛ منها قوله (تعالى): (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ* وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ* وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ* فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ* تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ* وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ* فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ)؛ وتكشف هذه الآيات الكريمة عن حقيقةٍ يغفل عنها كثيرٌ من النَّاس؛ فالموت ليس انقطاعًا إلى العدم؛ وإنَّما انتقالٌ من دارٍ إلى دار، ومن مرحلةٍ محدودةٍ إلى حياةٍ أوسع وأبقى. فحين تبلغ الرُّوح الحلقوم وتتعطَّل أسباب الدُّنيا، تبدأ ملامح العالم الآخر بالانكشاف، ويُستقبل المؤمن المقرب بالرُّوح والرَّيحان وجنَّات النَّعيم، ويُستقبل أصحاب اليمين بالأمن والسَّلام. ومن هنا يتَّضح أنَّ النَّظرة القرآنية للموت نظرة لقاءٍ وكرامةٍ وجزاء؛ الأمر الذي ينسجم تمامًا مع كلمات أهل البيت (عليهم السلام) التي سعت إلى إزالة رهبة الموت من قلوب المؤمنين، وتحويله من هاجسٍ مخيف إلى جسرٍ يعبرون عن طريقه إلى رحمة الله (تعالى) ورضوانه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى