اخر الأخبار

هوى النفس منشأ الأمراض الأخلاقية «الحسد، التكبر، الجبن»

3795

إنّ سلوك طريق الله والآخرة للوصول إلى الكمال الإنساني والسعادة الأبدية عند مليكٍ مقتدرٍ غير ممكنٍ من دون جهاد النفس وتهذيبها من الأمراض والرذائل الأخلاقية. وأوّل ما يحتاجه الإنسان المؤمن الحريص على آخرته هو معرفة هذه الموانع والعوائق التي تحول بينه وبين لقاء ربّه، والتي تحرمه من فيضه الجزيل، وعطائه العميم. فالمعرفة الدقيقة والصحيحة بهذه الموانع هي المدخل الصحيح لإزالتها والتخلّص منها، لأنّه من غير الممكن معالجة الداء ما لم نكن على معرفةٍ به وبآثاره ونتائجه. لذا، كانت المعرفة المسبقة بهذه الأمراض والرذائل أمراً لا بدّ منه لمن يريد أن يهذّب نفسه ويطهّرها. أن الهوى هو حبّ الشيء والميل إليه والتعلّق به واشتهاؤه، من دون فرقٍ بين أن يكون متعلّقه أمراً حسناً أو قبيحاً. وهوى النفس هو حبّ النفس وميل الإنسان إلى اتّباع الأوامر الصادرة عنها، سواء كانت خيراً أم شراً. واتّباع أوامر النفس يعدّ شركاً بالله، لأنّ المطاع فيه هو النفس وليس الله. فالأمر الصادر عن النفس، إن كان خيراً ولم يكن في طاعة الله ولأهدافٍ إلهية فهو مخالفٌ لإرادة الله، وبالتالي باطل، وإن كان شراً فهو صادرٌ عن النفس الأمّارة بالسوء التي تأمر الإنسان بالسوء دائماً وتدفعه إلى معصية الربّ ومخالفة أمره. وقد تحدّث الله تعالى عن هذه الحقيقة وأشار إلى أنّ المتّبع لهواه في الحقيقة عابدٌ لغير الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، فأشار بشكلٍ واضحٍ إلى أنّ الإنسان يمكن أن يتسافل إلى الحدّ الذي تصبح فيه نفسه هي المعبودة والمطاعة وليس الحقّ عزّ وجلّ. والمؤمن الصادق يكفيه أن يعرف الأضرار والمساوئ الناجمة عن اتّباع الهوى وحبّ النفس، وما وعد الله به الذين يخافونه في الغيب من الجنان، حتى يقلع عنه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. أن آثار اتّباع هوى النفس هي: أ- عدم الإيمان بالآخرة: اتّباع الهوى يمكن أن يحول بين الإنسان والإيمان الصحيح بالآخرة. ب- أسوأ الضلال: اتّباع الهوى أسوأ الضلال، فهو يخرج الإنسان عن طريق الله. ج- انتفاء العدالة: اتّباع الهوى مانعٌ من العدل والإنصاف: ﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا﴾. د- فساد الكون: إنّ نظام السماء والأرض خاضعٌ لإرادةٍ حكيمة وعادلة، فلو دار حول محور أهواء الناس وشهواتهم لعمّ الفساد كلّ ساحة الوجود. هـ مصدر الغفلة: اتّباع الهوى يحجب عن سبيل الحق ويورث الغفلة. و- فساد العقل: اتّباع الهوى يفسد العقل ويضعفه ويمنعه من التمييز بين الحق والباطل. ز- التلوّث بالكبائر: إنّ الإفراط في طلب اللذّة وعبادة الهوى يسوق الإنسان نحو منزلقات الإثم وارتكاب الذنوب. ح- أسّ المحن: اتّباع الهوى سببٌ أساسي للمحن والبلاءات التي تصيب الإنسان في هذه الحياة كما أخبر بذلك أمير المؤمنين عليه السلام: “الهوى أسّ المحن”. إذا عرفنا أنّ اتّباع الهوى يكون باتّباع أوامر النفس دون الله والانصياع التام لتلبية رغباتها، فإنّ العلاج الأساس يكون بمخالفة هذه الأوامر النابعة من النفس والاحتكام عوضاً عنها إلى أحكام الشريعة في كافّة شؤون حياتنا، لأنّه ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، بالإضافة إلى تقوية رادع الإيمان والتقوى في النفس. فمن يشعر بوجود الله دائماً في حياته ويرَه حاضراً وناظراً إلى سلوكياته وأفعاله، ويرَ محكمة العدل الإلهية يوم القيامة بعين البصيرة، لا يمكنْ أن يتجرّأ على كسر طوق الحدود الإلهية ويتجاوز التشريعات الدينية ويتلوّث بمفاسد الشهوات والرذائل، فعن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: “خالف نفسك تستقم، وخالط العلماء تعلم”. فمخالفة النفس وإشغالها دائماً بالطاعات والواجبات الشرعية بحيث لا يعود لها منفذٌ للجري وراء تلبية الأهواء والشهوات هو السبيل الوحيد للتكامل والرقيّ الإنساني. كما إنّ معاشرة الصالحين وترك صحبة رفاق السوء لهما الأثر الأكبر في توجيه الإنسان نحو معالي الأخلاق وعدم التلوّث في مستنقع الرذائل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى