ثقافية

هلوسات لاجئ

3516

عبد الوهاب الشابي

تهيأ الجميع للرحيل بعد قصف الصباح الذي انهى كل مظاهر العيش في ذلك الحي الصغير، تجمعوا في مدخل الحي اسرابا قاصدين قرية جبلية قريبة حاملين متاعهم على رؤوسهم نساء وشيوخا واطفال تاركين خلفهم اكواما من الركام والحجارة المتفحمة متزينة بقليل من حطام الاثاث وبعض الالكترونيات المهشمة وأشلاء جثث غير معروفة الهوية، الجو شديد البرودة والثلوج بدأت بالسقوط ببطء لتنقش على اجساد المهاجرين بقعا شديدة البياض، أمر الحشود بالتحرك اخيرا مشيا على الاقدام، المسافة لا بأس بها لكن الهرب من الموت بالصواريخ كان خيارهم الوحيد، في الصفوف الاخيرة كان يمشي وحيدا مقوس الظهر منهك القوام يظهر تحت عينيه بقع سوداء من التعب لكنه برغم ذلك كان كثير الابتسام والضحك أحيانا. مسح على شعرها الحريري وبدأ يسرد لها متأملا: كانت حارة جميلة قبل سنوات كنت حينها استيقظ باكرا يوميا اجلس بجانب البحرة التي تتوسط حديقة بيتنا انتظر فنجان القهوة بالهيل التي كانت والدتك تحضره لي، كان ذلك في السنوات الاولى لولادتك، في مجمعنا كان الجميع يقدس فكرة انجاب الذكور في الحقيقة لا أعلم السبب الحقيقي لهذا كل ما أعلمه ان الذكر يحمل اسم العائلة ويهب اهله الرزق والبركة! يالها من اسطورة عجيبة؟! وكأن الانثى تجلب الخراب وتقطع نسل العائلة الى الابد، لم اكن اهتم لتلك الترهات وكنت سعيدا جدا بولادتك، رأيت في عينيك آنذاك جمال مدينتنا وأحلام العاشقين وحكايات الحضارة الاولى، لقد كنت ثمرة قصة عشق عشتها مع والدتك حاربت خلالها مجتمع مثقل بالمحرمات ينبذب الحب ويعتبره رذيلة ويفضل الزواج التقليدي عن طريق الامهات من خلال اقتناص الزوجات الحسناوات في حمامات وحفلات النساء، لم ارضخ لتلك المظلمة التي تكون فيها الام قدرا يفرض شريكة ابدية لولدها متجاوزة كل المبادئ والمشاعر الانسانية، وكنت طليقا في السير بدهاليز الحب المقدسة، شعور رائع ان تنجب ممن تحب، وتعيش وتسهر وتكبر مع من تحب ، عشت تلك اللحظات بكل تفاصيلها وكنت أحلم بأن تعيشينها أنت ايضا.
ماتت أمك منذ شهرين عندما قصفت حارتنا التي ماتت بموتها اتذكرين ذلك المشهد؟ كنت حريصا دائما الا أبكي أمام أحد هكذا علمني أبي ربما كان يقصد أن بكاء الرجل يخدش رجولته، لكنني لم اقاوم بكائي الطفولي وصراخي الجنوني عندما رأيت نصف روحي تسبح بدمائها بجانب البحرة المهشمة بحجارة البيت المقصوف، ورأيتك تبكينها وتنظرين الى أهل الحارة وهم ينتشلونها من تحت الانقاض! احدث ذلك فعلا يا بنتي؟! لم اتخيل يوما أن افقدها بهذه السهولة ولا أن تنتهي حياتي بهذه السرعة!
وصل الجميع أخيرا الى تلة ضاربة لونها الى الاخضر الممزوج بلون الثلج، وقفوا قليلا ناظرين خلفهم حيث ظهرت مدينتهم من وراء الأفق، دمار.. وموت.. ودخان أسود يلامس السماء.. بدأوا بنصب الخيام على عجل متسابقين سرعة الثلوج القوية، وفي لحظة ما استقر الجميع في خيامهم الا هو فقد ظل جالسا يسند رأسه على جذع شجرة يراقب هطول الثلوج بنظرة طفولية، لاحظه أحدهم فأتاه مسرعا مقاوما الرياح الباردة، طلب منه أن يدخل الى احدى الخيام خوفا عليه من تلك البرد القارس، رفض ذلك وطلب منه أن ينصب له خيمة برفقة ابنته الصغيرة، استغرب ناظرا الى المكان، لم يجد أحدا غيره فقد كان وحيدا يحمل دمية وصورة لطفلة شقراء ذات عينين خضراوين! تسللت دموعه على وجنتيه واخذ يطبطب على كتفي الرجل مصطحبا اياه الى خيمة قريبة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى