المصور والمتخيل في فضاء شعرية الفاصلة الدلالية قراءة في مجموعة «بوابات بصرياثا الخمس» للشاعر كاظم اللايذ


حيدر عبد الرضا
بين معادلة لحظوية التمني وحسية ابعاد الاستدعاء الزمني راحت تكتنز الدوال الشعرية في مجموعة قصائد (بوابات بصرياثا الخمس) للشاعر الصديق كاظم اللايذ اكتنازا خصبا إذ تلتئم بلوغات معادلاته الثرية بذلك التوازن المكوناتي في لغة تداخل الأشياء والحالات والذاكرة والأصوات الايقونية عبر شبكة مدلولية متواردة من جملة الاشارات والعلامات والحساسية الشعرية التي أخذت لها بعدها التوسعي العميق والمركز لاختراق وخلق طبقات كشوفية في انموذجية الدوالية المصورة والمتخيلة في فضاء شعرية الفاصلة الدلالية المركزة.
بلاغة شعرية المصور/ المتخيل
ان عملية الاقتراب من روح وتفاصيل التأملي الحالم تنطوي عليه خبروية وكثافة إجرائية يذهب بالقصيدة الى شاطئ الحيرة والخيبة والتساؤل والاخفاقية الزمنية والعمرية:
يقلب عينيه بين الوجوه
ويرسل نظرته في النوافذ
حيث يجيء الضياء
وفوق الأرائك حيث تنام الظلال
فتأخذه غفوة..
فهل كان يسأل
أو يتقصى
وهو ما زال لا يحسن صنع السؤال؟
ان الفضاء المتصور/ المتخيل الذي حصلت فيه حالات مدلول الوليد حيث راحت تحيل وبفعل الثنائية التضادية (فهل كان يسأل/ وهو ما زال لا يحسن صنع السؤال) أن الفضاء الدوالي المباغت هنا حصل في غفلة من الزمن والمكان والصورة وصولا الى تفصيلية الحال (يقلب عينيه بين الوجوه) إذ إن الاشارات الاحوالية المكبرة للصورة الموقفية تحيل بذاتها نحو دلالة السياق المركز نحو مرارة تجربة عمر الانسان وخداعها، فيما راحت تصورات المصور تحمل الخطاب في النص مجموعة إيحاءات تقود دلالة الوليد الصارخ نحو تموضعات صياغية من شأنها تشكيل هالة دلالية فاصلة في معين الحد الدوالي المتخيل (ويرسل نظرته في النوافذ/ حيث يجيء الضياء). ولا شك في أن الدوال تحفز حال دلالة الوليد نحو رؤية تضامنية خارجية تطلعية لا تخلو من اداة حسية التفاعل بين وجهين ومقولتين وجهتين وعالمين (وفوق الأرائك/ تنام الظلال/ فتأخذه غفوة..) فالتقابلية التفاعلية هنا تكمن بين تمثيل السياق الفعلي الذي راح يحرك (يقلب عينيه) وبين حاصلة النظرة التضافرية في موضعية دلالة الحال (بين الوجوه/ ويرسل نظرته في النوافذ) تتكشف هنا الحالة المصورة عن قيام الآخر (فهل كان يسأل) بما تمليه أنا الشاعر المتخيلة مع النموذج الحضوري بالافتراق (فتأخذه غفوة) وصولا الى حالة المفارقة الاستفهامية الأحوالية التي تظهر صراع الوليد وصراخه بين الأنموذجين (المصور/ المتخيل). فالاختلاف التقابلي في حالات النص يبدأ بالصيغة المغايرة المشتركة (يقلب عينيه = علاقة أولى = سقوط في فراغ الأشياء/: ويرسل نظرته في النوافذ ـ بين الوجوه = الدخول في متاهة التساؤل = تعقيد خاضع لنسق ماضوي يرفض نزعه منه/: حين يجيء الضياء ـ وفوق الأرائك تنام الظلال = إدراج احوالي في صفات مسميات الصياغة خاصية تحكي عن مصدرية الأحوال الظرفية/: فتأخذه غفوة = زوال عن طاقة استنهاض حركية ذلك الوجود و محتوى غرائبية المكان/: فهل كان يسأل = لحظة شروع السارد أنا الشاعر المتخيلة وهي تقيم اجراءاتها المتصورة عميقا في باطن وجدان ذلك الدال المتخيل).
إفناء المصور وسطو المتخيل
غالبا ما يتداخل الحس المصور الخارجي لدى الشاعر وشراسته وسطوته للإخلال بقيمة إجرائية رؤية الذهن المتخيل الداخلي. غير أننا ومن خلال مقاطع ووحدات قصيدة الشاعر الموسومة بــ(العجوز) وجدنا العكس تماما. فالمتخيل هنا قد غدا لدى الشاعر محطة حركية تنطوي على كثافة إحالة جوهرية بوصفها مرتكزاً أصيلاً ترعاه خاصية محورية المتخيل الأحوالي الذي من شأنه حجب الرؤية من الأمام ليرتد بها الشاعر الى الخلف وعلى نحو أخذ يشيع حالات التشكيلية الدوالية وعلاماتها المتجهة نحو فضاء اللا واقع المتخيل:
ألا.. أيهذا العجوز
الذي جاوز الألف
مرتحلا في المفازات
متنقلا في الفصول
ألا.. أيهذا القديم
كايقونة
طمرتها السيول دهورا
ثم ثانية دفعتها السيول
ويا أيهذا العجوز
الذي ما زال صبيا
بدشداشة
يتسلق نخل البساتين
يركض خلف الفراشات
مندفعا في الحقول.
فالحكاية العمرية هنا متعلقة بدلالة الصوت الحلمي المتخيل بنموذجه العاطفي والرمزي والشعري حيث ترتبط من حوله حدود الأدوات الحلمية المتخيلة نحو جوهر تشغيل اداة قولية تسعفها أدوات الأزمنة وصوت المفازات: (كأيقونة طمرتها السيول دهورا/ ثم ثانية دفعتها السيول) تسعى الذات الشاعرة هنا الى توكيد حالة حضورها في سياق ميراثها الزمني المتخيل قهرا بالمصور الواقعي المتاح في زمن شيخوختها (طمرتها السيول دهورا)، مثلما راحت تسعى هذه الذواتية في الوقت نفسه الى توكيد وتحويل موتها المصور الواقعي الى أداة حلمية/ متخيلة منطلقة نحو إيجاد مساحة تعويضية ما عن غياب أداة تفاعلها الديناميتي الواقع بينها وبين الآخر المنادى داخل السياق: (ويا أيهذا العجوز.. الذي ما زال صبيا) وتنفتح لغة التصريح بالمصور الحياتي الواقع على خصوصية الفضاء الزمني المتعين لحالة واقعة تلك الذات بهذه الصورة:
يطوف بشيبته في المواخير
ليبحث عن ذاته
ويرخي بظل مصابيحها الحمر
حبلا ذلولاً.
أن التصريح بالحب والعودة بالدعوة القلبية الى ما فات أوانه من العمر راح يدفع بالذات الشاعرة المتخيلة نحو تشغيل آلة الزمن الحاضر لادراك صوت القلب الشائخ/ الشاب وما يتمخض عنه من قابلية تشغيل فضاء أداة قولية متخيلة قسرا:
ويهفو الى قهقهات العواهر في آخر الليل.
وهكذا يستمر تتابع حالات تلك الشيخوخة السائرة الى فجر شبابها الغارب تتالى عليها الأحوال الظرفية القاهرة لتحيل زمنها المتخيل الحالم (وتلمحه نجمة الفجر.. غاطسة في الظلام فتأتي/ لترعى ترنح خطوته في الرصيف قبيل الأفول)، إذ تتبأر المنطقة المتخيلة التي راحت ترد في قول الأنا اللا زمنية في دال قناعي يواري شيخوخة زمن العجوز وعلى النحو الذي يظهرها وهي على شفا الأفول العمري الأخير. فالنداء القلبي الموجه الى صوت ومرحلة الشباب في أتون ليل ذلك العجوز راح يتمحور داخل علاقة بؤرة طلبية ذات تمركز حلمي واضح ليعود في مونولوج داخلي نقلا على لسان حالة الذات الشاعرة ليتساءل عن أسباب زوال مصير عمره في الحدود والمكان والزمان.
ستعثر يوما ويجرفك الماء نحو الجحور يطول مكوثك في هذه الأرض أم لا يطول.
تعليق القراءة
ان القارئ لمجموعة قصائد (بوابات بصرياثا الخمس) يعاين بدقة مدى انتقال المسافات العمرية بعمقها الزمني والمكاني والدلالي القاهر الى منطقة انكشاف المساحة الوجدانية الأخيرة من صورة انفعالية وشعورية الواقعة في ظل زوايا حدوس الزوال العمري:
البحر الأسود
يمتد مع الغيم الى الظلمات
وأنا في ظلمته
حوت أعمى..
يقذفه اليم الى الساحل
أو يدفعه الماء الى الأعماق
ترثيه الفقمات
وتبكيه طيور البحر
ويسخر من حيرته القرصان..
أنا..
ما بين الظلمة والظلمة
في البحر الأسود
حوت أعمى..
ان حكاية المبدع (كاظم اللايذ) عبر مجموعة (بوابات بصرياثا الخمس) المنفتحة على حساسية بنية الفقدان والمنفتحة على آلية تصويرية من شأنها حيوية الضغط على حركية جوهر غياب كينونة الأنسان في وطن ليس بوطنه كما وتحكي حال الحالة الشعرية المشحونة مع ذاته بالمفارقة الزمكانية والنفسانية وعلى النحو الذي راح يؤسس سيرة أزمنة ذواتية شعرية تعمل على زوال كل ما هو جميل وحي في مكنز ذاكرتها الراحلة نحو فضاء المصور والمتخيل في مشاهد شعرية الفاصل الدلالية التي راحت تتبنى الحدود والمشاهد الخاصة والعامة من أيقونة رؤية الشاعر لذاته والموصولة دلاليا بالذاكرة الطفولية والشبابية والشيخوخية الخاصة بحياة الأشياء المكثفة على ورقة بياض الإيقاع العمري الملتحم بحميمية وألفة الحراك التصوري الشعري المقذوف بحساسية خاصة أخذت تنعش الذاكرة المتخيلة لدى الشاعر، وتوفر من جهة أخرى للمشهد الشعري لديه ثمة طاقة مشتغلة في استرداد وعيها الزمني العائد الى الحاضر والمنفصل عن الماضي أو هو العائد الى الماضي والمنفصل عن الحاضر بمسافات مدلولية أخذت تتيح لشاعرها وهلة تصوير أزمنته العمرية المصورة والمتخيلة عبر لحظة شعورية مطعونة بالأسى على ذلك وعلى هذا الزمن، واصفا إياه وصفا زمنيا مزحوما بثراء توصيفي بالغ الدلالة والتدليل في حدود وصفه المباشر والمتصل والمصور والمتخيل في واقعة الدلالة الفاصلة.



