ضرورة الخط السياسي
هناك حقيقة يُؤكِّدها منطق التاريخ، وهي: إنَّ الكثير من المناهج قد تسودُ مدةً من الزمن، وقد تقوم على أساسها دولة، ولكن بمُجرَّد سقوطِ تلك الدولة ينقرض المنهج، بل رُبَّما يتحوَّل أتباعه إلى مُناوئين له بدرجةٍ شديدةٍ جدّاً..وما نراه في الغرب من انحلال خُلقيّ، وعدم الالتزام بأبسط القواعد الدينية المسيحيّة ما هو إلاّ ارتدادٌ عن المسيحيّة التي كانت حاكمةً، ومُهيمِنةً دينيّاً، وسياسيّاً زمناً ليس بالقصير..وهكذا نُظُمٌ أخرى حينما سقطت دولها انقلب الناس إلى أعداءٍ لها، ولعلَّ في المناهج والنُظُم ذلك يبدو أكثر وضوحاً الوضعيّة، إلاّ أنَّ هناك منهجاً واحداً كان يُشكِّل استثناءً في ذلك، وقد بقي يُجدِّد نفسه بنفسه سواءاً حينما كان المُؤمِنون به حاكمين أو محكومين وهو الإسلام، فحينما سقطت دولته لم يتحوَّل المُسلِمون إلى أعداء لهذا الدين، بل ازدادوا تمسُّكا به، والتزاماً بمناهجه,وإنَّ مصطلح (الحزب) ذُكِر في القرآن الكريم بالسلب والإيجاب، فالجانب السلبيّ ان مجموعة تقود الناس وفق المصالح والعواطف، ذلك الحزب الذي يقول: أن لا وجود لصداقات ثابتة، أو عداوات ثابتة، بل هناك مصالحٌ ثابتة، والجانب الإيجابيّ (حِزْبَ اللَّهِ)هنا كلُّ مَن يعتقد بقيمومة الخالق المعرفيّة والتكوينيّة على الكون، ذلك الحزب الذي يقول: إنّ هناك مبادئ ثابتة ننطلق منها، ونستمرُّ بها وعليها، ويُؤمِن بقيادة العلماء العاملين للمسيرة، وإنّ الحزب مُجرَّد وسيلةٍ بيدهم لتغيير الواقع؛ لأن السياسة هي فنُّ تطويع الواقع حتّى ينسجم مع مبادئنا، فالسياسة هي: إصلاح شؤون العباد والبلاد، وأتباع حزب الله بنوا أنفسهم قبل أن يُفكِّروا ببناء الدولة؛ وبعدها يبنون النخبة، ويعتمدون على الجماهير,فالحزب وظيفته توليد الوعي لدى الناس، وتثقيفهم؛ لأهميّة ذلك وضروريّته، فالحزب ينطلق من الواقع لتطبيق النظريّات السياسيّة؛ لذا لابدَّ أن يمثّل إفرازاً واعياً وناضجاً لحاجة الجماهير، وأن يتحرَّك من وحي حاجةِ المُجتمَع، وأن يتوخّى رضا الله ورضا الجماهير,لهذا فالحزب السياسيّ الحقيقيّ لا يكون وليد الصدفة، أو العصا السحرية، أو ردّة فعل، بل هو اختمار أفكارٍ، وحشد طاقاتٍ، وحاجة مُجتمَع، وليس مُجرَّد مبلغٍ ماليّ، وأصدقاء، وتوجُّهٍ سياسيّ. فمرّةً يُولَد الحزب ضمن حاضنةٍ ناضجة، ومرّةً يُولَد؛ كي يخلق النضج لدى حاضنته والوسط الذي يعيش فيه، ويُشعِر الناس أنّه جاء لخدمتهم وليس لخدمة نفسه، والأرض الصلبة لا تشرب قطرة ماءٍ من سيل مُنهمِر، ولو كانت عطشى.
كتاب قواعد السلوك السياسي



