اراء

الصين تنهض … فهل لنا ان نستفيد من تجربتها ؟

3184

محمود الهاشمي

الجزء الثاني

وقد قامت الثورة الأمريكية من أجل تحقيق العدالة والازدهار على حسب قول كرين برنتون Crain Brinton في كتابه “الثورات الكلاسيكية “The Classical Revolution فهذه الثورة قامت ضد السلطة التي تحجب حرية الفرد وتمنعه سعيه من أجل تحقيق السعادة. فقد صارعت لإقامة نظام جديد لم يوجد مسبقاً. كانت ضد سلطة القوى الخارجية أو سلطة الحكم الفرد. فقد كانت من الجميع وللجميع.
الدرس الثالث الذي يمكن أن نستقيه من هذه الأوراق هو الطريقة التي يمكن للسياسيين وواضعي التشريع والمثقفين من خلالها خلق الوحدة من بين التنوع. فالنظام السياسي الأمريكي الفضفاض الذي برز بعد الثورة الأمريكية عام 1776 كاد أن يخلق صراعاً بين الثلاث عشرة ولاية حول المصالح الاقتصادية. فقد اقترح كتاب الأوراق “الأوراق الفدرالية” حلاً لهذه القضية: وهو الدولة الفدرالية، ولفتوا الانتباه إلى “أن أولئك الذين يدعون إلى الانفصال إنما يعملون ضد مصالحهم”. الدرس الرابع، وهو درس مهم، فهو يفيد بأن لا شيء يمكن أن يؤخذ على أنه مسلّم به. فكل شيء يجب أن يخضع للتجربة. فالواقعية هي طريق حياة. والحالة تفرض طبيعة القانون وليس العكس صحيحاً. فقوانين العالم المتغير يجب أن تكون مستمرة التغير. ويجب أن تتوافر تفسيرات جديدة دائماً , ونذكر ان ايران اعتمدت ذات التفاعل مع الموروث وسخرت الماضي لخدمة حاضرها وامتلكت (اسفنجية عالية) في التعاطي مع المستجدات وتسخير الطاقات الايرانية وحتى الاسلامية في مواجهة التحديات , فيكفي شاهدا انها عندما ذهبت للتفاوض مع الارادات الغربية (5+1) كان الوفد المفاوض اغلبه من خريجي الجامعات الاميركية والبريطانية , لما في ذلك من مرونة وتركيز في الحوار , في الوقت نفسه فان أعضاء مجلس صيانة الدستور ستة من ثمانية هم من طلبة المرجع والمفكر العراقي محمد باقر الصدر رضوان الله عليه , كما ان الجمهورية الاسلامية الايرانية بنت تجربة متميزة في البناء والعمران وتطوير الانسان فيما يحكمها رجال معممون , ولم تعطل (العمامة) بكل ما تحمل من دلالات في تعطيل عجلة الحضارة , وقد تميزت تجربتها بـ(براغماتية) دون ان تفقد اصولها وجذورها , ومثل ذلك نعرج على التجربة الماليزية فقد سبغ الاسلام التجربة وكان عنوانا للتطور والحضارة والتميز , وقد بدأت التجربة في ظل قيادة مهاتير محمد بإنشاء (مصرف اسلامي)ٌ. اما على المستوى الخارجي, ولما كان الغرب قد انسد في وجه المشروع النهضوي العربي ,وما عاد يصلح قدوة ونموذجا يحتذى , لابد من البحث عن نماذج اخرى اكثر قربا وتفاعلا مع مشروعنا وخاصة في بلدنا العراق وهنا نتجه نحو الشرق . والسؤال الاخر ما الذي يميز التجربة الصينية ويجعلها نموذجا للعرب ومنه العراق ؟ ان الاساس في ذلك يعود الى ان الصين , كانت تجربتها الى حد عام 1978م مجرد طموح ثم تحول الى حقيقة وان نهضة الصين قامت على ذات الاساس الذي كانت سعى له المشروع النهضوي العربي منتصف القرن الثامن عشر في مواجهة التحديات الاستعمارية والظروف الداخلية . تحررت الصين عام 1949م وقد حكمها الرئيس ماو من ذلك التاريخ وحتى عام وفاته عام 1976م وهو في حياته وبعد مماته يمثل رمزا وأشبه بالأسطورة في حياة الشعب الصيني برغم الخروج على الكثير من افكاره . فهو صانع الثورة الصينية الحديثة التي قادت النهضة الصينية لتكون دولة كبرى بعد ان كانت تحت الاحتلال !! شهدت الصين ثورة ثقافية من عام 1966م وحتى 1976م ثم نهضة عام 1978م اوصلتها ان تكون لها الريادة في التنمية قادها الرئيس دينغ . وقد حاولت جهات خارجية، ان تربك عملية التنمية في الصين عام 1989م خلال احداث ميدان تيان نامين ولكنها ووجهت بابراغماتية صينية بارعة ادت الى فشلها. بدأت الصين تجربتها الاصلاحية في تنمية اقتصادية متسارعة تمضي في منهج ذي براغماتية مزدوجة على قاعدة (ان العبرة في الغاية وهي تحقيق النهضة لا في الوسيلة والمبدأ الايديولوجي) هذه الحقيقة في المزاوجة المتمثلة بالجمع بين الاشتراكية واقتصاد السوق. ومثلما شهدت الصين نهضة صناعية شهدت نهضة عسكرية وهي الان الرقم الثاني بعد الولايات المتحدة في الميزانية العسكرية مستفيدة من علاقتها مع روسيا , وباختصار فان الصين قادمة فهل لنا ان نستفيد من تجربتها سواء على مستوى تقليد التجربة مع الفهم الموضوعي للواقع العراقي أو على مستوى العلاقة التجارية والاستفادة من خبراتها . أما الحديث عن التجربة الصينية الكبيرة فبإمكان الجميع الاطلاع عليها عبر عشرات الكتب والمؤلفات .. ويكفي ان نقول ان دولا عديدة ارسلت العديد من خبرائها الى الصين للإطلاع على واقع النهضة فيها ونحن عنها غافلون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى