ساعة الضجر


إحسان عبد الكريم عناد
انها الخامسة مساءاً في مدينة نائية. انها ساعة الضجر.. والفراغ المستدير حولي. اتقلب على سريري في بيت من الطراز الفريد. بيت صار مقام الرواد والنخب وذوي الامتيازات والرتب العالية، كان فيما قبل خربة للاصدقاء الذين يعبرون المدينة على عجل.
تشغلني فكرة استحضار من اقام قبلي هنا، او من سيقيم بعدي في البيت 156. اجمع الارقام واطرحها. احاول ان اجد توازناً في معادلة وهمية. تتعلق عيني بسقف الغرفة، ثم تنحدر الى ارضيتها في الزاوية البعيدة. هناك حيث لفت انتباهي شيء، يبدو كأنه طرف رداء ابيض مخبوء تحت اثاثها.. اضاءتها.. اصباغها.. امد يدي لأسحب طرف الرداء.. فتناثر حولي غبار خفيف على شكل ضوء مكثف، حتى تجسد على هيأة رجل ملطخ بدم ابيض.
(منذ زمن لا ارى الأشياء بألوانها.. لا اراها سوى ظلالً بيضاء).
جفلت وسحبت يدي فارتفع ضوء ثم سقط جانبي كما لو انه جثة ثقيلة. تجمدت عروقي وارتعبت اطرافي واصابني هلع عظيم، ولوهلة سريعة خمنت انها الأفكار، افكار ساعة الضجر التي تستحيل الى وهم كأنه حقيقة ماثلة، افكار ايجاد العلاقات في الأرقام العابرة، او ربما هي رغبات استحضار الآخرين.
شيئاً فشيئاً شعرت بدفء غريب، دفء الأنفاس التي يزفرها الرجل ـ الضوء.. ثم تناهى الى سمعي صوت حشرجة خفية تكاد تصير كلاما هامسا..
ياه من الساعة الخامسة عصراً، حيث لا شيء يحدث عادة سوى انشغال الناس بما شغلوا به انفسهم. سألتفت اليه واسأله: من انت؟ وما الذي جاء بك الى هنا؟
استجمعت قواي ونظرت الى وجهه، فهالني ما وجدت من شبه بيننا.. حتى كأنه اخ لي.. او كأنه انا في زمن آخر.
نظر الي، فخلته سألني: هل فقدت الذاكرة؟
نعم، يبدو كذلك، أجبت محاولا استنهاض ذاكرتي من سباتها.
ثم ما لبث ان تحول الضجر والذهول الى حزن وغضب خفي، حين تذكرت انه جسدي الذي قتل ظلما.. قتلني صاحبي غدرا.. ثم خبأ جثتي في قبو المنزل.. منزل 156 نفسه.



