اخر الأخباراوراق المراقب

المساواة على الأقدام.. كيف تكسر الأربعينية الـ” أنا ” وتصنع رأس مال اجتماعيا عابرا للطبقات؟

في ليلةٍ من ليالي الأربعين، وسط غبار الطريق الصاعد من الجنوب نحو كربلاء، انحنى رجلٌ أثقلت رأسَه الشيباتُ والسنون، يُدعَى أبو زهراء. كان يمسك بقماشٍ رطب، وجثا على ركبتيه فوق التراب ليغسل أقدام السائرين المُتعبة. لم يكن أبو زهراء سوى طبيبِ جراحةٍ مرموق، يُشار إليه بالبنان في إحدى أكبر مستشفيات العاصمة، ويقف في نهاره الاعتيادي بين الأطباء والتلاميذ آمراً وناهياً.

في تلك الليلة، مرّ به شابٌ عشريني تبدو عليه آثار الفقر والإنهاك، ينعل خُفاً خفيفاً تهرّأ من طول المسير. عندما انحنى الطبيب ليغسل قدمي الشاب، جثا الشاب بذعرٍ قائلاً: “يا عم، أنت بعمر أبي، كيف تغسل قدمي؟!”، فردّ عليه الطبيب بدمعةٍ ترقرق في عينيه وصوتٍ خفيض: “يا بُني، في مدينتي أنا الطبيب ذو المنصب، أما هنا على طريق الحسين، فأنا لستُ شيئاً… أنا أرجو أن يتقبل الله مني مسح غبار أقدامكم لعلّه يغسلُ غرور نفسي وأناي“.

في تلك اللحظة بالذات، بين يدي الطبيب وقدمي الفقير، انصهرت الطبقية، وتلاشت الألقاب، وتجلت روحية المذهب الحسيني الذي يُربّي السالكين على أن العظمة ليست في الارتفاع على الناس، بل في الانخفاض خفضاً لإنسانيتهم وخدمتهم.

تضعنا هذه اللفتة الإنسانية المفعمة بالديناميكية الروحية أمام إشكالية سوسيولوجية وفلسفية بالغة الأهمية: كيف ينجح مسارٌ يمتد لمئات الكيلومترات ويتحرك فيه الملايين في صهر الفوارق الطبقية الهيكلية دون استخدام سلطة إكراه قانونية، لتتحول المساواة من مجرد مقولة إنشائية في الأدبيات السياسية إلى واقع مُعاش يُمارَسُ ميدانياً بالأقدام والأيدي؟

تجريف الأنا وتفكيك الفوارق الطبقية

تبدأ تجربة الأربعين بـ “إلغاء رمزي” للتراتبيات المادية الصارمة التي تكبل الإنسان في الفضاء الحضري الحديث. ففي الحياة الاعتيادية، تتبلور هوية الفرد ومكانته عبر “رأس المال الاقتصادي والرمزي” (وفق توصيف بيير بورديو)؛ من نوع المركبة، وحجم الثروة، والوظيفة، ونمط الاستهلاك، مما يُنشئ “هابيتوس” طبقي يعزل الفئات عن بعضها وتتضخم فيه النرجسية الفردية.

لكن لحظة الانخراط في مسير الأربعين تُحدث قطعة سيميائية مع مظاهر الفوقية؛ حيث يذوب الجميع في فضاءٍ بصري واحد (اللباس البسيط، التراب، المسار الموحد، والمصير المشترك في طلب الإيواء والراحة). هنا يتحول التواضع من مجرد مقولة أخلاقية إلى “أداء وظيفي ميداني”؛ حيث ينخرط الأكاديمي، والمسؤول، والتاجر في خدمة البسطاء دون مقابل. إن هذا السلوك يعمل كـ “مجرّفة” هيدروليكية تجرف أوهام التفوق الطبقي، وتُحيد الهرمية الاجتماعية لصالح “هوية خادمة” تضع كرامة الإنسان كمعيار وحيد للمفاضلة.

صناعة رأس المال الاجتماعي

تقدم الأربعينية أنموذجاً مكثفاً لـ “الإنتاج السريع وغير المشروط لرأس المال الاجتماعي”؛ حيث يُسلم السائر ماله، ونفسه، وعائلته لـ “غرباء كاملين” على الطريق، ينام في منازلهم، ويستطب في مواكبهم دون أدنى توجس أمني أو نفسي. إن هذه الثقة المتبادلة تتجاوز الأطر الفئوية الضيقة (العشيرة، المنطقة، الطبقة) لتصنع شبكة أمان عابرة للجغرافيا والجنسيات، وتؤسس لـ “تضامن عضوي” يُعيد بناء النسيج الاجتماعي على قاعدة القيمة المشتركة.

كي لا تظل هذه المعاني العميقة محصورة في إطار “الفضيلة الموسمية” التي تنتهي بانقضاء طقوس الزيارة، يتطلب الأمر صياغة آليات إجرائية تُترجم هذه الرؤية إلى سلوك مؤسسي ومجتمعي مستدام:

مأسسة “دستور الخدمة والنزاهة الوظيفية”: إسقاط ثقافة “خادم الزوار” على قطاع الوظيفة العامة، بوضع لائحة سلوك أخلاقي تُقرن احترام المواطن والمراجع بالالتزام العقدي والديني للموظف، واعتبار التواضع الإداري وسرعة إنهاء المعاملات معياراً أساسياً للترقية الوظيفية.

تحويل رأس المال الاجتماعي إلى شبكات تمكين اقتصادي: توجيه الفائض المالي واللوجستي للهيآت والمواكب الحسينية بعد انتهاء الزيارة نحو إنشاء “صناديق تكافل إنتاجية” دائمية تُعنى بتمويل المشاريع الصغيرة للشباب العاطلين، ورعاية الابتكار المهني، وتوفير الخدمات الطبية المجانية في المناطق المحرومة.

إدراج “التواضع الميداني” في البرامج التربوية والجامعية: تضمين المناهج التعليمية والأنشطة الجامعية ساعات خدمة مجتمعية إجبارية (كتشجير المدن، وتنظيف الأحياء، ورعاية الدور الإنسانية) لكسر النرجسية الفردية لدى الجيل الجديد، وترسيخ مفهوم “المواطنة عبر العطاء“.

نقد النرجسية الرقمية والاستعراض الطبقي: تفعيل دور المنبر والمؤسسات الإعلامية والثقافية لخلق رادع اجتماعي ضد مظاهر البذخ والاستعراض الطبقي في وسائل التواصل الاجتماعي، وتقديم نموذج “المسؤول والمثقف الخادم” بوصفه الرمز الأسمى للمكانة الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى