طريقة الإمام الباقر عليه السلام لإيجاد الدافع للشكر
روي عن الإمام الباقر عليه السلام في وصية لتلميذه وصاحبه جابر: “يَا جَابِرُ اسْتَكْثِرْ لِنَفْسِكَ مِنَ اللهِ قَلِيلَ الرِّزْقِ تَخَلُّصاً إِلَى الشُّكْرِ، وَاسْتَقْلِلْ مِنْ نَفْسِكَ كَثِيرَ الطَّاعَةِ للهِ إِزْرَاءاً عَلَى النَّفْسِ، وَتَعَرُّضاً لِلْعَفْو”. يُقدّم الإمام عليه السلام لجابر طريقة لإيجاد الدافع إلى الشكر عند الإنسان. فهو يشير في حديثه إلى أنّ علّة شحّة شكرنا هي عدم التفاتنا إلى آلاء الله وأنعمه علينا بشكل جيّد. فنحن نتدلّل – بعض الشيء – على الله سبحانه، ونرى أنفسنا مستحقّين وأصحاب حقّ، ونتوقّع منه عزّ و جلّ أن يمنّ علينا بأكثر بكثير ممّا أسبغ علينا إلى الآن من النعم. بل إنّنا أحياناً، وجرّاء وجود بعض النقائص، لا نُعرض عن الشكر فحسب، بل تتولّد لدينا حالة الشكوى والتذمّر أيضاً. إذن يتحتّم علينا أن نبذل غاية المجهود لمعرفة النعم الإلهيّة حقّ المعرفة وأن نفكّر حتّى بنعم الله الصغيرة علينا ونُدرك أهمّيتها. فلا ينبغي استقلال رزق الباري عزّ و ىجلّ واستكثار أعمالنا. فنحن معاشر البشر نأمل عادةً أن نحوز على ما عند أكثر بني البشر تنعّماً، ونُعاتب الله جلّ وعلا على أن أعطى لفلان نعمةً ولم يُعطني إيّاها. أمّا من جانب آخر فنحن نرى أنّ الأعمال التي نُنجزها نحن جبّارة وقيّمة، ونُحدّث أنفسنا بأنّنا نُصلّي ونصوم ونؤدّي ما أوجبه الله علينا من تكاليف، فما المطلوب منّا ونحن نأتي بكل هذه العبادات ؟! إذن المشكلة التي نُعاني منها تكمن في هاتين النقطتين, أننا من جهة نرى أنفسنا مستحقين وأصحاب حقّ، ومن جهة ثانية نُعظّم أعمالنا ونراها غير ناقصة. وعلينا هنا كسر هذه المعادلة. فمن ناحية يتحتّم علينا التفكير بنعم الله الصغيرة, فينبغي لنا – مثلاً – التفكير بما هيّأه الباري عزّ و جلّ من كمّ هائل من الأسباب والوسائل كي يوفّر لنا رغيف خبز واحد. فكما يقول الشاعر: سُحبٌ، رياحٌ، وأفلاكٌ، وشمسُ ضحىً تعاضدنَ في جلب الرغيف، وتَغفلُ؟! فلقد وظّف الله سبحانه وتعالى جميع نعم الكون كي تحصل أنت على الرغيف ولا تنتابك الغفلة، وكذلك الحال مع سائر النعم الإلهيّة. فالغفلة – مع بالغ الأسف – تحول دون إدراك المرء لعظمة آلاء الله عزّ و جلّ. فكم قد أسبغ الله علينا من النعم من أجل عمليّة النطق البسيطة؟ فلكي يتفوّه الإنسان ببضع كلمات لا بدّ أن يعمل الجهاز التنفّسي بشكل صحيح في سحب الهواء ودفعه، وينبغي أن يكون للمرء حنجرة وأوتار صوتيّة سالمة، ويجب أن يؤدّي كلّ من اللسان والأسنان والفم وظائفه على النحو الصحيح، وإلاّ فلن نستطيع مهما بذلنا من جهد أن ننطق بكلمة واحدة. في أحد الاجتماعات نقل قائد الثورة المعظّم (حفظه الله) أنّ طبيباً قال له: “أتعلم أنّه لا بدّ أن تتظافر جهود بضعة مليارات من خلايا جسم الإنسان من أجل تحريك إصبع واحد من أصابع يده؟ ولولا هذا التعاون والتنسيق في العمل لا يمكن لهذا الإصبع أن يتحرّك”. فهل فكّرنا إلى الآن كم هي نعمة عظيمة أن نكون قادرين على تحريك إصبع من أصابعنا؟ لذا ننصح الإخوة من الشباب أن تكون لهم بعض المطالعات في علم الفسلجة البشريّة وعلم الأحياء، فهي تعلّم الإنسان الكثير.




