اراء

دور المرجعية الدينية في توحيد الخطاب الوطني وردع الإرهاب عبر التاريخ

3110

الجزء الثاني / خاص – المراقب العراقي
د. حيدر فرحان حسين الصبيحاوي
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

عبر التاريخ الطويل للمرجعية الدينية العليا في العراق منذ نشأتها كمؤسسة قيادية للمجتمع الإسلامي بعد الغيبة الكبرى للإمام المنتظر “عج” في (329ه)، أخذت على عاتقها قيادة المجتمع بكل كفاءة وقوة في المجالات الفكرية والاجتماعية والسياسية، وأصبحت الملجأ الآمن للناس في قيادتها الى بر الأمان خاصة في الأزمات والمحن، وللحق وشهادة للتاريخ فإن المرجعية الدينية العليا التي اتخذت خط وعلوم أهل بيت النبوة الطاهرة منهجاً قولاً وعملاً وعلى طول التاريخ لم تكن يوماً ما مصدر قلق أو تفرقة للأمة الإسلامية، بل كانت على الدوام مصدر الاعتدال والوسطية سائرين على نهج الرسول الأعظم محمد “صل الله عليه وآله وسلم”.تفاعل المكونات الوطنية العراقية مع مؤتمر كربلاء عام 1922
كان لمؤتمر كربلاء والفتاوى الصادرة عن علماء العراق السنة والشيعة دورهما في إيقاف المد الوهابي. فكان لعلماء السنة والنخب الثقافية والعلمية مواقف وطنية مشرفة تستنكر اعتداءات الوهابيين على أرض وطنهم العراق وتدعو للدفاع عنه وعن مقدساته، فمنهم من بادر الى عقد مؤتمر تأييداً لفتوى المرجعية الدينية العليا، وآخرون أصدروا فتوى الدفاع عن العراق، وآخرون حضروا الى مؤتمر كربلاء أو أرسلوا برقيات مؤيدة لقرارات المؤتمر، ومنهم:
1. الشيخ عبد الوهاب النائب الذي وجه الدعوة الى عدد من علماء السنة البارزين ببغداد لحضور اجتماع في “تكية الخالدية” للتداول في أمر “الهجمات الوهابية” وهل يجوز حربهم قائلاً أمام الحاضرين (ما تقولون في هذه الطائفة المسماة بالإخوان، هل ترون وجوب قتالهم وردعهم عن أمثال هذه التجاوزات نظراً لكونهم هتكوا حرمات المسلمين واستباحوا دماءهم وأموالهم بغير ذنب) ثم قرأ أحد الحاضرين فقرة مفادها (أن من يستبيح دماء المسلمين كافر يجب مقاتلته) فوافق الجميع وأنتهى الاجتماع بكتابة فتوى نصها (ما حكم من يدعي الإسلام ويحكم بشرك من خالف معتقدهم من جماعات المسلمين مستحلين قتالهم ودماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم بغير سبب وقد هجموا على بلاد المسلمين مستحلين عداء وبداء فهل يجب قتالهم أم لا ؟ فكان الجواب: نعم يجب قتالهم والحالة هذه) وقد وقع على هذه الفتوى الشيوخ عبد الوهاب النائب وعبد الملك الشواف وإبراهيم الراوي ونعمان الأعظمي وعلي القرداغي وأمجد الزهاوي ومحمد رشيد الشيخ داود وخليل حسن النقي وبهاء الدين النقشبندي واحمد الراوي ومحمد رؤوف.
2. الشيخ عبد الله النعمة أحد كبار علماء السنة ومفتي الموصل شارك بفعاليات مؤتمر كربلاء ضمن وفد الموصل.
3. مشاركة مسؤولي أوقاف بغداد من مشايخ السنة.
4. برقيات تأييد من شيوخ وأهالي تكريت والشرقاط وسامراء أكدوا فيها استعدادهم لتنفيذ أي قرار يصدر من المؤتمر والتضحية بأموالهم وأنفسهم من أجل العراق.
فتوى الجهاد الكفائي للسيد السيستاني 2014
ساهمت فتوى الجهاد الكفائي التي اطلقها سماحة السيد علي الحسيني السيستاني في حزيران 2014 ضد تنظيم داعش الإرهابي في سد الطريق أمام كارثة كادت تحل بالعراق والمنطقة بصورة عامة عندما حالت دون سقوط العاصمة بغداد، في الوقت الذي حقق فيه داعش تقدما سريعا في خمس محافظات شمالية وغربية وشرقية في ظل انهيار للوحدات العسكرية والأمنية لتوقف ذلك التقدم الذي وصل الى مشارف العاصمة بغداد، وسط انقسام بين الطبقة السياسية وخلافات حادة بسبب اللهاث للحصول على مكاسب حزبية وشخصية، فكانت ظروف فتوى الجهاد الكفائي شبيهة نوعاً ما بالظروف الآنية التي حصلت بها فتوى عام 1922.
تفاعل المكونات الوطنية العراقية مع الفتوى
فتوى الجهاد كانت العلاج الناجح لقضية اجتمع حولها الكثير من أبناء المكونات العراقية، وكانت الاستجابة سريعة من الشيعة والسنة، اضافة الى الديانات الأخرى كالمسيحيين والأيزيديين، وعززت معاني الأخوة وطردت الشبهات التي كانت تروج بشأن الخلافات الطائفية والمذهبية سيما وأن العدوان وقع في المحافظات السنية، فإن المرجعية الدينية دعت المواطنين العراقيين – دون تمييز عرقي أو طائفي- الذين يتمكنوا من حمل السلاح للتطوع للدفاع عن الوطن، فكان لها أثرها في تحرير مدن العراق وفك أسرها، وأفشلت مخططات الأعداء في تفريق وحدة المجتمع وصنع حرب طائفية وعرقية بين أبناء الشعب العراقي، بل جاءت الفتوى المباركة لتعيد التلاحم التاريخي بين مكونات الشعب العراقي ومواجهة أعداء الإنسانية “الوهابيين الدواعش” في خندق واحد. إذ كانت هناك مواقف معلنة منها:-
1. إعلان مسؤولي وشيوخ وأهالي الانبار بضرورة مشاركة الحشد الشعبي بمعارك تحرير المحافظة من داعش الوهابي الإرهابي، وتأسيس حشد مشابه للحشد الشعبي الذي تشكل بعد الفتوى المباركة تحت عنوان الحشد العشائري من متطوعي أبناء السنة.
2. اعتبر شيوخ الانبار وعلى لسان الشيخ عاشور الحمادي شيخ عشيرة البو محل مشاركة الحشد الشعبي مفتاح لتحرير سريع للمناطق المغتصبة من عصابات داعش الإرهابية في المحافظة، وقال في تصريح لشفق نيوز: (شيوخ عشائر الانبار بدون استثناء والاهالي مؤيدون لدخول قوات الحشد الشعبي الى المحافظة).
3. حظيت الفتوى بتأييد المراجع الدينية السنية في العراق ومنهم الشيخ خالد الملا رئيس جماعة علماء العراق حيث أصدر فتوى باسم علماء الدين السنة في العراق فور صدور فتوى الجهاد قال فيها: (أن جماعة علماء العراق اصدرت فتوى تدعو فيها المواطنين الى حمل السلاح ضد الدواعش والمرتزقة المأجورين والحفاظ على الهوية الوطنية).
4. أعلنت كتلة الرافدين “المسيحية” وعلى لسان رئيس الكتلة النائب يونادم كنا عن دعمها وتأييدها لفتوى الجهاد ضد داعش حيث قال في تصريح لشبكة انباء العراق: (فتوى المرجع السيستاني موجهة لكل العراقيين وليس لطائفة أو مذهب معين، والمراد منها تحرير الأرض العراقية المغتصبة) وتشكل لواء بابليون ضمن الحشد الشعبي وهو من المتطوعين المسيحيين في العراق.
النتائج الملموسة للفتاوى التاريخية
مع الوعي الجماهيري، ورعاية المرجعية لكافة أطياف المجتمع العراقي دون تمييز أجهضت مخططات الأعداء التي كانت تستهدف تفكيك المجتمع الواحد، وكان من نتائج تلك الفتاوى:-
1. رص الصف الوطني وتلاحم أطياف الشعب العراقي في رد العدوان الوهابي عبر التاريخ إذ خرجت من بُعدها العقائدي لتكون أكثر شمولية ببعدها الوطني.
2. تلبية المجتمع العراقي للفتوى لإيمانه العميق بأن المرجعية وعبر التاريخ هي صمام الأمان للشعب العراقي بكافة أطيافه.
3. طرح نموذج إسلامي حقيقي مغاير للطروحات الإرهابية التي هي صنيعة مؤامرة هيمنة غربية – اسرائيلية لتشويه حقيقة الإسلام المحمدي الاصيل.
4. لولا فتوى الجهاد الكفائي الصادرة يوم الجمعة 13/حزيران/2014 والبيانات والإرشادات اللاحقة من المرجعية الدينية العليا لما صمدت باقي المدن العراقية في وجه الطاعون الأسود “عصابات داعش” ولأنتهكت الأعراض والمقدّسات في كل العراق.
5. لولا الفتوى المباركة بالجهاد الكفائي في حزيران 2014، لتوافدت المنظمات والجيوش والأفراد بصفتها الطائفية “الشيعية ” و “السُنية”، من دون إذن لإنقاذ العراق و”العتبات المقدسة الشيعية والسُنية”، ولأصبح هذا التدخل/الصراع ذا طابع دولي طائفي “سُني ـ شيعي” بحت. لكن الفتوى أسقطت هذا الحساب وجعلت المواجهة الحقيقية بين المواطنين العراقيين بإشراف السلطة الرسمية وبين الأعداء، وهم (العصابات الإرهابية الوهّابية).
6. فتوى الجهاد الكفائي جاءت للوقوف بوجه الهجمة الداعشية الإرهابية والتي كان لها أثرها في تحرير مدن العراق وفك أسرها، وأفشلت مخططات الأعداء في تفريق وحدة المجتمع وصنع حرب طائفية وعرقية بين أبناء الشعب العراقي، بل جاءت الفتوى المباركة لتعيد التلاحم التاريخي بين مكونات الشعب العراقي ومواجهة أعداء الإنسانية “الوهابيين الدواعش” في خندق واحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى